3/16/2009


إشارات شرعية في الآثار المعنوية والنفسية للحرب الأخيرة على غزة


إشارات شرعية في الآثار المعنوية والنفسية للحرب الأخيرة على غزة

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين ، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسليماً كثيرًا أما بعد :

فلقد كثر الحديث وعم القول عن آثار الدمار البشع الذي خلفته آلة الفتك اليهودية جراء العدوان الأخير على غزة ، وتصدرت عناوينه معظم الخطب المنبرية والتقارير الإخبارية والتحليلات السياسية ، ولعله من غير النافع   حالاً – الحديث عن هذه الزاوية التي تموجت وتهدرت وصارت مدعاة لكل لسان ، وخطاً لأي بنان ، وهذا الحديث وإن كان له واقعه وملابساته في وسائل الإعلام المختلفة إلا أن هناك أمرًا أعظم وموضوعًا أجدر بأن تسلط عليه الأضواء وتركز عليه الدراسات والأبحاث ..

أمرًا لعله من الصعب لعدسات الكاميرات التقاط صورة عنه، لأنه ذو أثر معيشي نفسي يشعر به الإنسان في ذاته ووجدانه ولا يبوح بسره لأحد بيد أنه يعرف من طبيعة الحال وقرائن الأحوال..

أقصد هنا الأثر النفسي والمعنوي للحرب الأخيرة على العامة والخاصة مع اقتباس دلالات شرعية من هذه الوقائع سلبية كانت أم إيجابية ، وهو أمر حري بالتدبر والنظر البعيد خاصة أنه يوسع مدارك الدعاة إلى الله تعالى في مثل هذه الأحوال الطارئة ويأخذ بأنظارهم إلى عالم البصيرة والفهم، وقد أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم ومن اتبعه أن يدعو على بصيرة فقال سبحانه " {قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} يوسف108

والبصيرة  نور يقذف في القلب من الرب -  سبحانه وتعالى -  مبعثه العلم بقَََدره المتضمن لسنن الخلق والكون ، وشرعه المتضمن للأمر والنهي ، وفي الآية نكتة فريدة قلّ من ينتبه إليها وهي أن معرفة السبيل - أي الحق وحده - لا يكفي حتى تقترن به هذه البصيرة كما هو واضح من السياق ، وفي هذا إشارة للدعاة إلى الله ألا يقتصروا على المعرفة المجردة من فقه الوقائع والأحوال والظروف..

ولست هنا أعني الدراسة البعيدة عن الوحي كالذي يهرف به ما يسمونهم بعلماء النفس الذين يفقهون أحوال النفس على قواعد وعقول مريضة تختلف نتائجها على حسب النزعات المختلفة لأربابها، ثم إن النافع من كلامهم تجده مبسوطاً في الكتاب والسنة بأبسط عبارة وأجملها وأروعها، ولا يكفي مقام كهذا في بيان تلك العلاقة المتناغمة بين الآثار المعنوية والنفس البشرية ، لكن حسبنا أن نطوف على أعلقها بالقلوب وألصقها بالعقول :

 

1- الحروب محاضن (الصبر):

 وليس أدل على هذه الحقيقة من أمر الله تعالى المؤمنين بالصبر والثبات عند لقاء الأعداء ، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ} الأنفال45

لقد تفاوتت نفوس الناس في الحرب بين صبر الاختيار وصبر الاضطرار ، ونعني بالأول منهما التسليم المطلق لقضاء الله مع ثبات القلب والجنان والرضا بالقدر والمقدور ، وأما صبر الاضطرار فهو الرضا بالمقدور دون القدر لوقوعه لا محالة ،  كما قال تعالى : {وَبَرَزُواْ لِلّهِ جَمِيعاً فَقَالَ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللّهِ مِن شَيْءٍ قَالُواْ لَوْ هَدَانَا اللّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاء عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ} إبراهيم21

هذا الموقف بجميع مشاهده ومحتوياته يصور لنا صبر الاضطرار ، فرضى الكافرين بالعذاب لا يعني رضاهم به في الحقيقة ، وإنما بالأمر الواقع ، وإذا فهمت هذا الأمر اتضح لك معناه .

والمستفاد هنا، أنه يجب على عباد الله أن يصبروا على المقدور مع الرضا بالقضاء فهذا هو أعلى مقامات الصابرين ، وأخس الناس حالاً من يتسخط مع مجابهته للمقدور لا محالة.

 

2- طبيعة العلاقة بين الطمأنينة والخوف الفطري والشرعي:

الخوف الفطري ضابطه : كل ما له علاقة بالأسباب والمسببات ؛ كالخوف من الوحش والعدو. والخوف الشرعي: ما كان صادراً عن امتثال الأمر تعظيما للآمر وحباً له .

تأملت أحوال الناس في هذه الحرب فوجدت أن مصدر قلقهم متمخض من تغليب خوفهم الفطري على خوفهم الشرعي ، وفي المقابل وجدت أن مصدر الطمأنينة نابع من تغليب الخوف الشرعي على الخوف الفطري ، وبيان هذا أن الخوف الشرعي سراج في القلب يبصر به الخير والشر ، بخلاف الفطري فإنه صادم قاتل طامس، وبه يجد الشيطان سبيله في تخذيل الناس وتوهينهم عن الثبات والمدافعة ، قال تعالى : الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ{173} فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ{174} إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ{175}

وهذه الآيات مليئة بالفوائد والدرر ولكن الذي يلفت الانتباه فيها أمور:

الأول : ما الفائدة من ذكر كلمة ( الناس) مع أن القائل واحد كما هو معلوم ؟

كثير من الناس يقتصر في الجواب على هذا  السؤال بأن هذا من العام الذي أريد به الخاص وهو كثير في القرآن ولكن هذا غير شاف ، والذي يروي الغليل وبشفي العليل أن يقال : إن المخذل في هذا المقام يساوي الفئام من المخذلين لما علم بالعيان والمشاهدة في  حال الحرب ، وسر هذا أن النفوس تكون مضطربة سريعة  اللحظ والحركة ، ومن شأن أي حركة – والحالة هذه - أن تؤثر في جيش بأكمله .

الثاني : من المعلوم أن المسلمين في غزوة أحد أصيبوا بالقروح والجروح فما سر ذكر النعمة والفضل وعدم السوء في هذا الآية وعلاقتها بما حدث في المعركة ؟

والجواب: أن أعظم نعمة انقلب بها المؤمنون هو أنهم صبروا ورضوا بقضاء الله وقدره وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل  وهذا المعنى أوجد في نفوسهم طمأنينة وراحة تغلبت على السوء الذي حل عليهم وحاق بهم.

الثالث : أنه سبحانه جعل الخوف منه وعدم الخوف من أولياء الشيطان من لوازم الإيمان ، وهو أمر يدلك على مدى ضعف إيمان كثير من الناس بتغليبهم الخوف من المخلوق على الخوف من الخالق والله الموفق.

 

3- الجاسوسية :

إن الجاسوسية مرض عضال وداء فتاك لا يخلو منه زمان ومكان خصوصاً في المناطق الساخنة ودوائر التوحش حيث تعمد الأطراف المعادية على دس العيون والشبكات المختلفة لاستجلاب معلومات أمنية عن الطرف الآخر، لأنها كسب المعركة مرتهن بحقيقة ومصداقية المعلومات ، فمن الطبيعي أن يقوم اليهود في حرب كهذه ببث عملائهم في كل المناطق حتى تتحقق أهدافهم المشئومة ، وهذه الظاهرة قد تبدت واضحة في الحرب الأخيرة  ، ولسنا الآن نتقصد دراستها من جميع النواحي فإنها تحتاج إلى مبحث مستقل، ولكننا نروم تسليط الضوء على أثر الحرب في ظهور هذه الأنفس الشاذة .

لما كانت مهمة الجاسوس شاقة وصعبة وحساسة للغاية ، كان وقوع أدنى خطأ منه في دائرة التوحش مفض إلى ذهاب روحه ، والحرب ساحة مفتوحة تكثر فيها الأغلاط والأخطاء فتتكشف الحقائق تبعاً لظهور القرائن الواضحة ؛ كالمشي في المناطق المفتوحة بأمان وسط اشتعال الحرب ، فإنها قرينة على الاتصال مع العدو وغيرها مما ليس هذا موضع بسطه ، والذي أريد قوله : ( إن ساحات النزال تفرز مثل هذه النفوس وتبدي خباياها) وأوضح القرآن هذا أتم إيضاح في سورة الأحزاب حيث يقول الله تعالى : { وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً  وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَاراً وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيراً} الأحزاب (12- 14 )

وهكذا يكشف الله المنافقين بما يظهره على ألسنتهم من سوء المقال والفعال ، وتطبيق هذه الآيات على واقعنا يجعل النتيجة صعبة للغاية، فكم من مستأذن ومخذل وقائل قولة أؤلئك المنافقين والله المستعان ؟

 

4- الشماتة:

وهي خلق سيء وسلوك قبيح يقصد منه التشفي من الآخرين والسرور لحزنهم وآلامهم ، وهي على قسمين :

الأول : شماتة المسلم بأخيه المسلم وهي حرام لحديث  وَاثِلةَ بنِ الأسْقَعِ رضي اللَّه عنْهُ قالَ : قال رسُولُ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم : « لا تُظْهِرِ الشَّمَاتَة لأخيك فَيرْحمْهُ اللَّهُ وَيبتَلِيكَ » رواه الترمذي وقال : حديث حسنٌ .

ولعموم قوله صلى الله عليه وسلم « كل المسلم على المسلم حرام » الحديث ..

وليعلم أن لا يجوز للمسلم أن يشمت بأخيه وإن ظلمه وأساء إليه ، وهو أمر وقع فيه كثير من العامة بسبب جهلهم لحقوق الأخوة الإيمانية .

الثاني : شماتة المسلم بالكافر ( المحارب) كاليهود والأمريكان ومن حالفهم فواجبة لقوله تعالى : {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ} التوبة14

وأما غير المحارب كالذمي والمعاهد فلا تشرع الشماتة به لأنها تنافي القسط إليهم والعدل معهم .

لقد بدت ظاهرة الشماتة في الحرب الأخيرة واضحة المعالم ، ونحن هنا لا نريد الخوض في أسبابها المتشابكة بقدر ما نبتغي معرفة البواعث على نشوء هذه الظاهرة لدى أصحابها (الأغرار) حتى نعالجها معالجة رشيدة نابعة من مشكاة الوحي القويم .

وعند التأمل في واقعها يظهر لنا أنها لا تخلو من هذه الحالات :

-    أن يكون مبعث الشامت على الشماتة رد ظلم وقع عليه ، كأن يشمت بمن سبه أو آذاه  ففي هذه الحالة يعرف الشامت بحرمة هذا الفعل ويبين له بالتي هي أحسن لأنه صادر عن جهل بحكم الشرع.

-    أن يكون مبعثه الفرح بمصيبة المسلمين ، فهذا نفاق وقد يصل إلى الردة والعياذ بالله وعلى  صاحبه أن يتوب إلى الله تعالى وإلا وجب تعزيره وتأديبه بما يدع أمثاله عن ذلك

-    أن يكون مبعثه المعاملة بالمثل، وذلك كأن يشمت بمن شمت به قبل ذلك ، وهذا لا يجوز أيضاً لأن المعاملة بالمثل تكون في المشروع دون الممنوع ، وإلا لزم من ذلك أن نجوز المحرمات كلها من باب المعاملة بالمثل، فمن كان مبعثه كذلك بين له الصواب ونصح بالمعروف.

-    أن يكون مبعثه ولاء الكافرين ، فهذا مرتد يستتاب فإن تاب وإلا قتل والدليل على ذلك قوله تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ }المائدة51

فهذه أحوال مختلفة وبواعث متفرقة وأسباب متنوعة يجب الأخذ بها في عين الاعتبار حالة المعالجة حتى لا نظلم عباد الله  بما جهلوه ولم يقصدوه ، ويجب على أهل العلم والدعاة إلى الله أن يبينوا للناس هذه الأحكام ويفصلوا في هذه الأحوال ويعرفوهم حقوق الأخوة في الله ، حتى نقي مجتمعاتنا من مثل هذه الظواهر الشوهاء الشاذة .

هذا ما أردت لفت النظر إليه في هذه المقالة المقتضبة، وإن كنت أعلم أن الموضوع طويل الذيول ويحتاج  إلى أبواب مبوبة وفصول مفصلة والله الموفق وهو الهادي إلى سبيل الرشاد.

 

وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم

 

 

لؤي محمود الشوربجي


شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق


التعليقات 0