12/17/2007


القدس العظمى .. مخطط صهيوني لابتلاع المدينة المقدسة


      منذ وضع اليهود أقدامهم في أرض فلسطين ، قبل قيام دولتهم وهم يسيرون طبقاً لمخطط موضوع بدقة وإحكام ، يستهدف الاستيلاء على الأرض والمقدسات تدريجياً وعلى مراحل زمنية متتابعة .

 

      وهذا المخطط استهدف القدس كما استهدف كامل فلسطين وما حولها من مناطق عربية ، فقد استغلت الصهيونية وعد بلفور والهجرة إلى فلسطين ، وقرار التقسيم لسنة 1947م وحروب 1948م و1956م و1967م وربطتها بالواقع السياسي ، كمراحل انتقالية على طريق تنفيذ المشروع الصهيوني العام .

 

      وكذلك فعلت وتفعل بالنسبة للقدس ، فقد بدأ الأمر بالهجرة إلى المدينة المقدسة تحت ستار الدين ، ثم تقدم إلى توسيع الاغتصاب للأرض وزيادة عدد اليهود فيها ، ثم المطالبة بتمثيل ملائم لليهود في المجلس البلدي ، ثم المطالبة بتقسيم المدينة عام 1947م وقبول قرار التقسيم وتدويل القدس - ظاهرياً - كثمن لإقامة الدولة اليهودية للحصول على الاعتراف الدولي بها .

 

      وبعد ذلك جرى احتلال الجزء الغربي من المدينة خلال حرب 1948م وضمه إلى دولة يهود والرجوع عن قرار التدويل ، ثم احتلال الجزء الشرقي من المدينة خلال حرب 1967م ، وتوحيد المدينة كلها تحت السلطة والسيادة اليهودية والإعلان عنها عاصمة أبديه لدولة يهود بعد زيادة مساحة شطري المدينة بثلاثة أضعاف [1] .

 

      وجاء بعد ذلك المخطط الاغتصابي الكبير في القدس ، والذي استهدف تطويق المدينة بما يزيد عن 25 مغتصبة صهيونية يقطنها 160 ألف يهودي ، وتفتيت الوجود العربي في المدينة المقدسة بشتى الوسائل ، وقد وصلت دولة يهود إلى الانتهاء من مرحلة التطويق خصوصاً للقدس العربية وقطعت مراحل متقدمة في مجال إنهاء الوجود العربي فيها .

 

      ولكي يكتمل المخطط الصهيوني الموضوع للقدس أعلن مؤخراً عن مشروع القدس العظمى والذي يعتبر عنواناً للحملة الاغتصابية الأخيرة في القدس ، وهي حملة متناسقة على المستويات كلها السياسية والاقتصادية والاجتماعية .

 

      فقد كشفت الإذاعة اليهودية يوم 19 يناير 1995م عن تقرير سري صَادَق عليه حزب العمل عام 1993م ينص على توسيع حدود بلدية القدس لتشمل عدداً من المغتصبات اليهودية في الضفة الغربية .

 

      واستناداً إلى هذا التقرير الذي وضعه عشرات الباحثين اليهود فإن حدود القدس يجب أن تمتد جنوباً حتى المغتصبات في قطاع " عوس عتسيون " بين بيت لحم والخليل ، وشرقاً حتى "معالية أدوميم" ، وشمالاً حتى حدود بلدتي رام الله والبيرة ، وغرباً حتى مغتصبة "بيت شيمش".

 

      وأكد ايهود أولمرت رئيس بلدية القدس وعضو ليكود وجود هذا التقرير [2] .

 

      وفي اليوم التالي : " 20 يناير 1995م " نشرت الصحافة الإسرائيلية تفاصيل إضافية عن أبعاد التوسع الأخير والمخططات الاغتصابية في المدينة وحولها ، فظهرت في صحيفة " يديعوت أحرونوت " خريطة جديدة لـ " القدس العظمى " تتسع بموجبها حدود المدينة لتشمل دائرة قطرها 23 كيلو متراً أي ما يعادل ( 10-15% ) من مساحة الضفة الغربية .

 

      وفي عام 1992م تم تشكيل لجنة يهودية من كبار الفنيين المختصين من وزارتي الداخلية والإسكان وإدارة أراضي دولة يهود وبلدية القدس لوضع خطة هيكلية لتطوير " القدس العظمى " ضمن الحدود المشار إليها ، وكان ذلك في فترة حكم الليكود .

 

      ومع وصول العمل إلى الحكم عام 1993م صادقت الحكومة الجديدة على مواصلة هذه اللجنة لعملها الذي لا يزال مستمراً حتى اليوم .

 

      ولاشك أن دولة يهود قد قطعت شوطاً كبيراً في تنفيذ مخطط " القدس العظمى " خاصة مع ارتفاع نسبة التملك اليهودي للأراضي والعقارات في القدس وذلك إثر الضغوط المتلاحقة على المواطنين وما يتعرضون له من إيذاء وضرر وزج الأطفال والشباب في غياهب السجون لحمل أهلهم على التخلي عن السكن في مدينة القدس وكان من نتيجة ذلك أن أصبحت نسب التملك في القدس 84% لليهود و14% للعرب و 2% للأجانب مع العلم بأن هذه النسب كانت عام 1948م وما بعدها بما فيها القدس الغربية 4% لليهود و94% للعرب و2% للأجانب هذا إلى جانب إقامة المغتصبات وتطويق القدس بأكثر من 25 مغتصبة من جهاتها المختلفة ، ونتيجة لكل هذا تغيرت القدس إلى حد يصعب معه تمييزها فضاع سحرها وجمالها [3] .

 

 

 

حظر النشاط الفلسطيني الرسمي في القدس :

 

      ولعل ذلك ما جعل المهندس اليهودي " إبراهام كحيلة " الذي وضع تصميم مشروع القدس الكبرى يقول : سيستحيل على ياسر عرفات أن يزعم أن القدس الشرقية هي عاصمته لأن عمليات البناء التي قمنا بها ستجعل تقسيم المدينة من جديد أمراً مستحيلاً [4] .

 

      ويتضمن مخطط " القدس العظمى " حظر ومنع أي نشاط فلسطيني رسمي في القدس فقد ذكرت صحيفة " هآرتس " في 10 فبراير 1995م أن جهاز الأمن اليهودي وضع وثيقة داخلية تتعلق بنشاطات مؤسسات فلسطينية ذات طابع رسمي أو حكومي في القدس ووسائل وقف هذه النشاطات وإغلاق تلك المؤسسات وتقول الوثيقة أنه " من الحيوي استخدام قانون تطبيق اتفاق غزة ـ أريحا للعمل ضد مؤسسات فلسطينية ذات طابع حكومي والتي تمس بسيادتنا على القدس [5] .

 

      ونقلت الصحيفة قول رابين رئيس الوزراء اليهودي السابق بأن " اتفاقنا مع الفلسطينيين ينص على أن كامل نشاط السلطة الفلسطينية ينبغي أن يتم في غزة " . وتتضمن الوثيقة 13 مؤسسة فلسطينية في القدس هي : الأوريانت هاوس " بيت الشرق " ، هيئة الأوقاف والأديان ، المجلس الفلسطيني الأعلى للتطوير والإعمار ، المجلس الفلسطيني الأعلى للصناعة ، المجلس الفلسطيني الأعلى للصحة ، المجلس الفلسطيني الأعلى للإسكان ، مركز الإحصاء الفلسطيني ، معهد الأرض والمياه ، مركز الطاقة الفلسطيني ، مكاتب مصلحة الإذاعة والتلفزة الفلسطينية ، المجلس الفلسطيني الوطني لحقوق الإنسان ، جامعة القدس ، جامعة القدس المفتوحة .

 

 

 

مساحة القدس العظمى :

 

      وحتى الآن لم تحدد الحكومة اليهودية مساحة أراضي القدس العظمى رسمياً ليظل الأمر مفتوحاً أمامها لضم مغتصبات ومساحات جديدة إلى القدس عن طريق فرض الأمر الواقع ثم تثبيته بعد ذلك ، وهي السياسة نفسها التي اتبعتها في إقامة وتوسيع الكيان الصهيوني ككل ، فمثلما لم ترسم حدوداً نهائية للدولة منطلقة من حدود 1947م كرأس جسر شرعي لها كذلك انطلقت من حدود القدس لعام 1948م فعام 1967م وما تلاه منتقلة من مرحلة خلق الواقع إلى مرحلة تثبيته .

 

      و لا تزال دولة يهود تنتهج السياسة ذاتها تجاه الوجود العربي في القدس وفي سائر فلسطين الهادفة إلى تفتيته وتصفيته ومن ثوابتها في هذا المجال الاستيلاء على الأراضي والتهجير القسري والسيطرة على المياه والمصادر الطبيعية الأخرى وعرقلة البناء وهدم المنازل ، فحصول العرب على ترخيص بالبناء في القدس من أصعب الأمور وإذا حصلوا على الترخيص فإن نسب عمليات البناء للعرب تتراوح بين 15 و 75% من مساحة الأرض ، أما اليهود فتصل نسبتهم إلى 300% ولهم بناء ثماني طوابق أم العرب فلا يسمح لهم إلا ببناء منازل من طابقين فقط [6] .

 

 

 

خطة النجوم السبعة :

 

      وفي عام 1992م وضعت وزارة البناء والإسكان اليهودية خطة أطلقت عليها " النجوم السبعة " لاستيعاب المزيد من موجات الهجرة اليهودية المكثفة وخداع الرأي العام العالمي وأهم بنود هذه الخطة ما يلي [7] :

 

     1- تشمل الخطة قطاعاً طوله 80 كم على جانبي خط الهدنة أو ما تطلق عليه سلطات الاحتلال " الخط الأخضر " وذلك لمحوه وإيجاد أمر واقع جديد .

 

      2- تستهدف الخطة توطين مالا يقل عن 35 ألف مغتصب يهودي في هذا القطاع خلال 15 عاماً .

 

      3- تتم المرحلة النهائية لهذه الخطة عام 2005 حيث سيصبح عدد سكان الكيان الصهيوني 8 مليون نسمة .

 

      4- ستصبح الأكثرية بموجب الخطة أكثرية يهودية في القدس أي ما نسبته 64 % يهود في مقابل 36 % عرب ، هذا بعد أن كانت نسبة العرب في القدس 70 % .

 

      5- العمود الفقري لهذه الخطة هو ما يسمى بشارع رقم " 6 " أو عابر إسرائيل وعرضه 120متراً ويحتاج تنفيذه إلى مصادرة مساحات شاسعة من الأراضي العربية ، الأمر الذي يعني المزيد من الإجراءات التعسفية والقمعية .

 

      6- تشمل الخطة أيضاً إقامة أربعة مراكز مدنية كبيرة توفر فرص عمل وخدمات تجارية وصحية وثقافية للمغتصبات بالإضافة إلى إقامة 14 منطقة صناعية تصل إلى 13 ألف دونم .

 

      وهذه الخطة هي حلقة جديدة من حلقات الاستراتيجية الصهيونية الهادفة إلى تفريغ القدس من سكانها وتوطين اليهود مكانهم بعد جلبهم من أنحاء العالم المختلفة في موجات الهجرة اليهودية التي لم تتوقف منذ مطلع هذا القرن .

 

      وتشهد القدس إلى جانب " خطة النجوم السبعة " أربعة مشاريع كبيرة تستهدف الاستيلاء على المزيد من الأراضي الغربية وتغيير معالم المدينة وتركيبتها الديمغرافية ، منها مشروع يقع في الجهة الجنوبية الغربية ويضم محطة سكة حديد وسوق محلي وإستاد ومنطقة صناعية كبيرة .

 

      ويتمثل المشروع الثاني في شق عدد من الشوارع الكبيرة ويقام الثالث في القسم الشرقي من وسط المدينة ويضم عدداً من المشروعات الضخمة بمساحة نحو ربع مليون متر مربع وأما الرابع فيتضمن توسيع المدينة عن طريق ضم ثماني مغتصبات إلى حدودها وهو ما يزيد مساحته على ربع مساحة المدينة الحالي .

 

 

 

المرجع: مجلة الجندي المسلم - العدد92

 

 

 

_____________________

 

(1) جريدة الحياة ـ العدد 1729 ـ لندن 2 إبريل 1995م .

 

(2) المرجع السابق .

 

(3) القدس في ضمير العالم الإسلامي ـ مجموعة باحثين ـ سلسلة دعوة الحق ـ مكة المكرمة ـ العدد 155 ـ ذو القعدة 1415هـ .

 

(4) جريدة الحياة ـ العدد 12230 ـ لندن 20أغسطس 1996م .

 

(5) جريدة الحياة ـ العدد 11730 ـ لندن 3 إبريل 1995م .

 

(6) المرجع السابق .

 

(7) إجراءات تهويد القدس ـ بحث لـ رفيق الخطيب التميمي ـ عمان 1993م .

 

 

 


شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق


التعليقات 0