1/19/2009


جيل العزة يتخرج من مذبحة غزة


 

 

 

جيل العزة يتخرج من مذبحة غزة

 

 

إن كل مسلم غيور على دينه وأمته ليقف محزون القلب على ما حدث لإخواننا في غزة، وليعتصر قلبه همًا عندما يرى الأشلاء والدماء والأطفال الصغار الذين التحفوا بلحاف الموت.

ولكن ما يلسي قلبه دائمًا ويهديء من روعه اليقين الجازم بأنهم ما ماتوا، ولكنهم عند ربهم يتنعمون، مصداقًا لقوله تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 169-170].

فما أجمل وأروع هذه الأرواح التي خرجت من آلام الدنيا لتسرح من الجنة حيث شاءت نحسبها كذلك والله حسيبها ولا نزكي على الله أحدًا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أرواح الشهداء في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم إطلاعة، فقال: هل تشتهون شيئًا؟ قالوا: أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا؟ ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يُتركوا من أن يُسألوا، قالوا: يا رب، نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا، حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى!! فلما رأى أن ليس لهم حاجة تُركوا)) [رواه مسلم].

فلست أدري هل نبعث تهانينا أم تعازينا لأهل غزة؟! إننا بالفعل نهنئهم ونبشرهم ونسليهم ونصبرهم بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا مات ولد الرجل، يقول الله تعالى لملائكته: أقبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم، فيقول: أقبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم، فيقول: فماذا قال عبدي؟ قال: حمدك واسترجع، فيقول: ابنوا لعبدي بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد)) [حسنه الألباني]، والله ما سمعنا منهم إلا الحمد والاسترجاع؛ فهنيئًا لهم بيوت الحمد في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

جزاكم الله عن أمة الإسلام خير الجزاء.

حقًا يا أهل غزة نقول لهم "جزاكم الله عن أمة الإسلام كل خير"، فإن دماؤكم وإن رسمت عندكم صور الموت الحزينة إلا أنها رسمت في قلوبنا أعلى وأبهى صور الحياة، ولئن كانت صرخاتكم تبث الخوف والفزع عندكم إلا أنها أسمعت منا قلوبًا صماء، وأيقظت فينا أرواحًا غافلة، وأما القلوب الحية فازدادت حياة بعد الحياة، فهبت الأمة جيمعًا لنداء الإيمان.

ولقد ظن العدو الإسرائيلي أنه يضرب الأمة الإسلامية في مقتل، وهو لا يدري أن الله جل جلاله يستدرجه من حيث لا يعلم، ويملي له وهو سحبانه ذو الكيد المتين، لقد مكر العدو وكاد، ولكن الله تعالى خير حافظًا لهذه الأمة، وهو أرحم الراحمين.

ولذلك نقولها اليوم وبكل قوة من نافذة أطفالنا ونحن ننعى أطفال غزة، نقول للعالم أجمع وللعدو الإسرائيلي خاصة، جيل العزة يتخرج الآن وفي هذه اللحظة من مذبحة غزة، جيل العزة والنصر والتمكين يُصاغ الآن صياغة ربانية خالصة نقية، من مدرسة غزة التي ما بعثها الله سبحانه وتعالى إلا لتكون بعثًا جديًّا لهذه الأمة وإيقادًا للضمائر الحية.

أيها المربون اغتنموا الفرصة لصناعة جيل العزة.

إنها فرصة عظيمة ونحن نتابع أحداث إخواننا في غزة أن نحيي في أبنائنا هذه الروح الإيمانية الخالدة، وأن نربيهم على تحمل المسؤلية تجاه أمتنا العظيمة، أمة محمد صلى الله عليه وسلم، لابد وأن نطرق الحديد وهو ساخن، فما من غلام بلغ أو لم يبلغ شاهد هذه الأحداث ونحن نتصفح الأخبار إلا وأوقدت في قلبه حرقة على ما يحدث، لابد أن نستغل نحن إذًا هذه الحرقة، وأن نحيي هذه الروح، وأن نتخذ هذه اللحظة لتكون لحظة البداية لصياغة جيل العز والتمكين على أيدينا وبرعاية المولى.

إنها فرصة لغرس هذه المعاني العقدية الجميلة القوية، التي تصقل الشخصية، وتجعلها في المستقبل أرضًا خصبة لصناعة رائد من رواد الإسلام، ومجدد للمجد، ومبدد لسُحُب الظلم والظلام.

وإنها فرصة في الوقت ذاته ليقف كل مرب مع نفسه وقفة صدق، ويسأل نفسه: هل يصنع طفله الآن ليكون رجلًا من رجالات الإسلام؟ هل يصنع طفله ليكون رائدًا من رواد الإسلام؟  هل يصنع طفله ليكون مجددًا لهذا الدين؟ هل يصيغ طفله صياغة ربانية تجعله في المستقبل قائدًا إسلاميًا كصلاح الدين أو محمد الفاتح أو سيف الدين قطز؟

العدو الإسرائيلي يربي أبنائه من القديم لسحق الأمة.

عزيزي المربي الفاضل، لم يعد هناك وقت نضيعه، لقد ربى العدو أبناءه وأعدهم ليقوموا بهذه المهمة الدنسة، وأنفق عليهم المال والوقت والجهد، حتى كان هذا الحصاد المر، إنهم هم اليهود الذين حاولوا تدمير الإسلام في الحروب الصليبية ففشلت جيوشهم التي هاجمت بلاد الإسلام بالملايين، فعادوا يخططون من جديد لينهضوا، ثم ليعودوا إلينا بجيوش حديثة وفكر جديد، وهدفهم تدمير الإسلام من جديد، كان جنديهم ينادي بأعلى صوته، حين كان يلبس بذة الحرب قادمًا لاستعمار بلاد الإسلام:

أماه.

(أتمي صلاتك .. لا تبكي.

 بل اضحكي وتأملي.

أنا ذاهب إلى طرابلس.

فرحًا مسروروًا.

سأبذل دمي في سبيل سحق الأمة الملعونة.

سأحارب الديانة الإسلامية.

سأقاتل بكل قوتي لمحو القرآن) [القومية والغزو الفكري، ص(208)].

        فنشأ الطفل اليهودي وهو يتعلم في المدارس تلك القاعدة التي لا تتغير ولا تنمحي أبدًا من ذاكرته، ألا وهي "إسرائيل من النيل إلى الفرات"، وظل يرددها مرارًا وتكرارًا، حتى صارت عقيدة تخالط دمه وروحه وكيانه ووجدانه، فتحرك اليوم بعد أن كبر ليحقق تلك الرسالة الخبيثة وهذا الهدف الدنيء، إنها الحقيقة التي أقرها القرآن وأكدها فقال عز من قائل: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا} [المائدة: 82].

آن الأوان لصياغة رجال المستقبل.

ونحن اليوم نقول لكل أب ولكل أم: لم يعد هناك وقت يضيع مع الأبناء، لابد أن نعد العدة ونجهز الأمة، ومن جهز غازيًا فقد غزا، ولا تدري أيها المربي الفاضل فربما كان جهدك في تربية ولدك وصياغته هو فتيل النور الذي يبدد ظلام الذل والهوان لهذه الأمة، ويعيد مجد الإسلام من جديد، لا تدري أيها المربي فربما كان طفلك والجيل الذي يتخرج معه هو جيل النصر والتمكين لهذه الأمة، فلم يعد متسع من الوقت لتربية الأولاد على "السوبر مان" و"الاسبيدر مان"!!

إن الشخصيات الفذة في التاريخ الإسلامي التي أحدث نقلات نوعية في حياة الأمة؛ كصلاح الدين ومحمد الفاتح وغيرهم، لم تكن إلا ثمرة طيبة لآباء صالحين، غرسوا فيهم حب العمل والفداء لهذا الدين، ورسموا لهم طريقهم حتى كانوا من كانوا.

يقول الدكتور محمد علي الصلابي وهو يتحدث عن نشأة السلطان محمد الفاتح: (فمنذ أن ولي السلطنة العثمانية سنة 855هـ الموافق 1451هـ كان يتطلع إلى فتح القسطنطينية ويفكر في فتحها، ولقد ساهمت تربية العلماء على تنشئته على حب الإسلام والإيمان والعمل بالقرآن وسنة سيد الأنام؛ ولذلك نشأ على حب الالتزام بالشريعة الإسلامية، واتصف بالتقى والورع، ومحبًا للعلم والعلماء، ومشجعًا على نشر العلوم، ويعود تدينه الرفيع للتربية الإسلامية الرشيدة التي تلقاها منذ الصغر، بتوجيهات من والده، وجهود الشخصيات العلمية القوية التي أشرفت على تربيته، وصفاء أولئك الأساتذة الكبار، وعزوفهم عن الدنيا وابتعادهم عن الغرور ومجاهدتهم لأنفسهم، ممن أشرفوا على رعايته) [انظر تاريخ الدولة العثمانية، د.علي حسون، ص(42)].

(لقد تأثر محمد الفاتح بالعلماء الربانيين منذ طفولته، ومن أخصهم العالم الرباني "أحمد بن إسماعيل الكوراني"، مشهودًا له بالفضيلة التامة، وكان مدرسه في عهد السلطان "مراد الثاني" والد "الفاتح".

وفي ذلك الوقت كان محمد الثاني ـ الفاتح ـ أميرًا في بلدة "مغنيسيا"، وقد أرسل إليه والده عددًا من المعلمين، ولم يمتثل أمرهم، ولم يقرأ شيئًا، حتى أنه لم يختم القرآن الكريم، فطلب السلطان المذكور رجلًا له مهابة وحدَّة، فذكروا له المولى "الكوراني"، فجعله معلمًا لولده وأعطاه قضيبًا يضربه بذلك إذا خالف أمره.

فذهب إليه، فدخل عليه والقضيب بيده، فقال: أرسلني والدك للتعليم والضرب إذا خالفت أمري، فضحك السلطان محمد خان من ذلك الكلام، فضربه المولى الكوراني في ذلك المجلس ضربًا شديدًا، حتى خاف منه السلطان محمد خان، وختم القرآن في مدة يسيرة) [كتاب الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية، ص5(2)، نقلًا عن تاريخ الدولة العثمانية، ص(43)].

(هذه التربية الإسلامية الصادقة، وهؤلاء المربون الأفاضل، ممن كان منهم بالأخص هذا العالم الفاضل، ممن يمزق الأمر السلطاني إذا وجد به مخالفة للشرع أو لا ينحني للسلطان، ويخاطبه باسم، ويصافحه ولا يقبل يده، بل السلطان يقبل يده، من الطبعي أن يتخرج من بين جنباتها أناس عظماء كمحمد الفاتح، وأن يكون مسلمًا مؤمنًا ملتزمًا بحدود الشريعة، مقيدًا بالأوامر والنواهي، معظمًا لها، ومدافعًا عن إجراءات تطبيقها على نفسه أولًا ثم على رعيته، تقيًا صالحًا يطلب الدعاء من العلماء العاملين الصالحين) [انظر: تاريخ الدولة العثمانية، د.علي حسون، ص(43)].

(وبرز دور الشيخ آق شمس الدين في تكوين شخصية محمد الفاتح وبث فيه منذ صغره أمرين هما:

1- مضاعفة حركة الجهاد العثمانية.

2- الإيحاء دومًا لمحمد منذ صغره بأنه الأمير المقصود بالحديث النبوي ((لتفتحن القسطنطينية؛ فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش)) [قال الهيثمي: رجاله ثقات]؛ لذلك كان الفاتح يطمع أن ينطبق عليه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم المذكور) [انظر: الفتوح الإسلامية عبر العصور، ص(359)].

صناعة الرجال ليس عمل المتخاذلين.

قد يتكلم البعض ويقول "أن الدعوة إلى التربية وإصلاح الأبناء في هذا الموطن الذي تُنتهك فيه أعراض المسلمين وتُسفك فيه دماؤهم هو عمل المتخاذلين الذين لم يتحركوا لنصرة إخوانهم"، فنقول لهم بكل ثقة ويقين: إن صناعة الرجال والتركيز على هذا الجانب هو عمل الناصرين لإخوانهم بحق، والحاملين همَّ هذا الدين، والمختارين الطريق الصعب الذي يُرجى من ورائه النصر والتمكين لهذه الأمة.

لا أدل على ذلك من أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يركز على هذا الجانب في أحوج اللحظات وفي أشد الأزمات، وليس هناك أزمة أشد ولا أصعب من أزمة بدء الدعوة في مكة، والتي كان النبي صلى الله عليه وسلم خلالها يصنع الرجال، ويصيغ الجيل الأول الجيل الفريد، وظل النبي صلى الله عليه وسلم يصنع الرجال ثلاث عشرة سنة في مكة، ولم يجاهد إلا بعد أن هاجر إلى المدينة، بل وبعد الهجرة أيضًا ظل صلى الله عليه وسلم يصنع الرجال والأبطال، فصنع النبي صلى الله عليه وسلم الرجال في مكة أمثال علي بن أبي طالب، الذي ينام في فراش الموت، وأمثال عبدالله بن مسعود، الذي يجهر بالقرآن في حجر الكعبة، وصنع أيضًا الرجال والأبطال في المدينة أمثال سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وغيرهم كثير.

بل إن الأمة الإسلامية باستقراء التاريخ كانت ولا زالت في وقت الأزمات تصنع وتربي الرجال، فما صلاح الدين إلا وليد أزمة رجال، وما محمد الفاتح إلا وليد أزمة رجال، وكذلك لم يكن سيف الدين قطز أيضًا إلا وليد أزمة رجال، ونحن اليوم نعيش أزمة جديدة من أزمات الرجال كالتي مرت بها الأمة في القديم، ولذلك فنحن الآن في أمس الحاجة إلا أمثال هؤلاء الرجال.

جيل العزة يتخرج من مذبحة غزة.

ونحن اليوم أمام مذبحة غزة نحتاج أن نوجه كل الجهود والطاقات والإمكانات لصناعة هؤلاء الرجال، الذين يتخرجون من مذبحة غزة ليكونوا مصدر العزة لهذه الأمة من جديد، وبالتالي تكون مذبحة غزة هي الوقود الدافع لكل الآباء ولكل الأمهات للتركيز على صناعة الجيل الجديد، جيل العزة، جيل الرجال، إن عواطفنا ومشاعرنا ووجداننا تجاه أخواننا في غزة سنترجمه في أعمال في تربية أبنائنا لنصنع جيلًا يعز الله به الإسلام ويعلي به شأن المسلمين.

ولكن كيف تتم هذه الصياغة وكيف يتخرج هؤلاء الرجال؟

أولًا: الحلم:

الحلم أو الرسالة بتعبير أدق التي نرسمها لأبنائنا لنصرة هذا الدين، كما رسمها من قبل الشيخ "آق شمس الدين" مع "محمد الفاتح" رحمهما الله، فليكن الحلم "تحرير المسجد الأقصى والصلاة بمسرى الرسول صلى الله عليه وسلم".

ثانيًا: تحديد الرؤية القريبة للطفل:

كيف سيحقق الطفل هذا الحلم؟ هل سيكون عالمًا ربانيًا، أم إمامًا حافظًا، أم طبيبًا حاذقًا أم مهندسًا بارعًا، أم دكتورًا في الجامعة؟

رابعًا: وضع خطة عملية لتحقيق هذه الرؤية من خلال أهداف سنوية:

مثال: إذا كانت الرؤية تخريج عالمًا ربانيًا:

ضع أهدافك:

1.    يحفظ كتاب الله في سن السابعة.

2.    يحفظ البخاري ومسلم في السن العاشرة.

3.    يدخل كلية الشريعة الإسلامية.

4.    يتخصص في مجال كذا.

وهكذا لابد أن نرسم له الطريق ونعلمه كيف يرسمه بعد ذلك عندما يكبر.

وختامًا، فلنجعل أطفالنا قذائف نقذف بها العدو الصهيوني في مقتل، والله الذي لا إله غيره سيموتون حسرة عندما نخرج لأمتنا الأبطال الجدد، وسيموتون رعبًا عندما يجدون أن ضربتهم لغزة كانت سر العزة، والله سبحانه وتعالى هو نعم المولى نعم النصير.

 


شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق


التعليقات 0