1/5/2009


نصرة غزة واجب ومسؤولية


نصرة غزة واجب ومسؤولية

 

الشيخ: يحيى بن سليمان العقيلي

 

ملخص الخطبة

1- جريمة حصار غزة. 2- سبب الحصار وأضراره على الشعب. 3- حصار المشركين للنبي وأصحابه في الشعب. 4- سنة الابتلاء. 5- نداء لنصرة أهل غزة.

 

 الخطبة الأولى

 

أما بعد: فأوصيكم ونفسي ـ عباد الله ـ بتقوى الله تعالى ولزوم أوامره، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ .

معاشر المؤمنين، جريمة كبرى ما قام به الصهاينة المعتدون من حصار ظالم لغزّة في فلسطين المباركة، مسرى رسول الله ، سبعة أشهر من الحصار بل السجن للشعب الفلسطيني في غزة، أعقبوها بقطع الإمدادات والوقود لأيام متتالية، أطبقت الخناق على شعب جريرته أن يقول: ربي الله، وأن يرفض أن يركع إلا لله، ويأبى بشموخ وعزة أن يخضع للإملاءات الصهيونية ويتخلى عن أرضه ومقدساته وحقوقه، وأن يُذَلّ بترك الجهاد في سبيل الله وترك المقاومة لإعلاء كلمة الله ورسوله ، وأن يخضع كما خضع غيره لمؤامرات الاستسلام والخيانة ومعاهدات الذل والمهانة. يريدون منهم ـ عباد الله ـ ومن الأمّة جمعاء أن يتركوا كلام الله المنزّل وآياته المحكمة كقوله جل وعلا: وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا، الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا .

عباد الله، أكثر من 80 في المائة من الشعب الفلسطيني يعيش تحت خطّ الفقر، وتوفي أكثر من ثمانين مريضا، واستشهد العشرات، وجرح المئات؛ نتيجة ذلك الحصار الظالم والعدوان الآثم الذي صب نيران الظلم والطغيان بالطائرات والدبابات، وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ . نعم عباد الله، فالله جل وعلا شهيد عليم بما يقدم عليه أولئك الظلمة الفجرة، وبما يصبر عليه أولئك المؤمنون البررة.

لن يضير أصحاب العقيدة والمبدأ ـ عباد الله ـ تجويع ولا حصار، فقد فُعِلَ ذلك برسول الله ، فعندما عجزت قريش عن قتله أجمعوا على منابذته والمسلمين معه ومن يحميه من بين هاشم، فكتبوا لتلك المقاطعة الآثمة كتابا تعاهدوا فيه على أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم ولا يتركوا سببا من أسباب الرزق يصل إليهم ولا يقبلوا منهم صلحا ولا تأخذهم بهم رأفة، حتى يسلم بنو المطلب رسول الله لهم ليقتلوه، ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة، وحوصر بنو هاشم وبنو المطلب ومن معهم من المسلمين ومعهم رسول الله في شعب بني المطلب، إلا ما كان من أبي لهب عم رسول الله فقد ظاهر على النبي وأصحابه وأرحامه، لم تأخذه في ذلك حمية ولا رحمة، كما يفعل اليوم بعض من باعوا دينهم وأرضهم وحقوقهم؛ يشاركون في جريمة الحصار بالاستمرار بما يسمى بالمفاوضات ومسيرة الاستسلام، فحالهم كما وصف ربنا جل وعلا فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ .

ويستمر الحصار ـ عباد الله ـ أعواما ثلاثة، وجهد النبي ومن معه جهدا شديدا، حتى إنهم كانوا يأكلون الخبَط وورق الشجر، كانت العير إذا دخلت مكة وذهب المسلمون للشراء قام أبو لهب يصيح: يا معشر التجار، غالوا على أصحاب محمد حتى لا يدركوا شيئا معكم. فيزيدون بالأسعار أضعافا مضاعفة حتى يرجع المسلم إلى أطفاله وهم يتضاغون من الجوع، ليس له حيلة ولا ملجأ إلا الله سبحانه، وبعد أن مضت الأعوام الثلاثة وبلغ بمن كان في الشعب ما بلغ من الجهد أخذت الغيرة والحمية خمسة من رؤساء المشركين، بدأها صريحة زهير بن أمية، فأقبل على الناس عند الكعبة فقال: يا أهل مكة، أنأكل الطعام ونلبس الثياب وبنو هاشم والمطلب هلكى لا يباعون ولا يبتاع منهم؟! والله، لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة، وتكلم الخمسة معه، ثم قام المطعم بن عدي إلى الصحيفة فمزقها، ثم انطلق الخمسة ومعهم جماعة إلى بني هاشم وبني عبد المطلب ومن معهم من المسلمين فأمروهم بالخروج إلى مساكنهم، وانتهى أمر الحصار.

فبالله عليكم يا عباد الله، أين غيرة قادة الأمة وحكامها؟! أين جرأتهم لفك هذا الحصار الظالم؟! أما آن الأوان أن نخلع ثياب الذل والهوان؟! أما آن الأوان أن نصطلح مع رب الأرباب وملك الملوك جل في علاه، وأن نلتحم مع إرادة الأمة المسلمة بالوقوف صفا واحدا أمام ذلك العدوان الصهيوني الغاشم، وأن نذر الأوهام والسراب والوعود الزائفة لأولئك الذين لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة من اليهود والنصارى؟! أما آن الأوان أن نسمع لكلام المولى جل وعلا ونذر وعودهم وأمانيهم الباطلة، والله جل وعلا يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ .

وإننا نحمد الله تعالى أن قيض الله لعباده من ترجموا الأقوال بالفعال، وأزاحوا جدار الحصار عن غزة، كما مزق المطعم بن عدي الصحيفة؛ مما فرج عن أهل غزة شيئا من كربتهم ونفس عن الأمة جمعاء آلامهم.

 

الخطبة الثانية

 

معاشر المؤمنين، قد يتساءل البعض منا: إلى متى تتوالى النكبات وتتابع الأزمات وتكثر الآلام والمصيبات على أمتنا؟ ألسنا على الحق والدين؟! ألسنا عبادًا لرب العالمين؟! وهؤلاء المعتدون ومن معهم من أعداء الله والدين هم المنتصرون وجندهم هم الغالبون! هم في أمن وأمان وتقدم وازدهار، مشاكلهم سرعان ما تنقضي، ومحنهم سرعان ما تنجلي.

نقول لأولئك: معاشر المؤمنين، أنحن أكرم على الله أم محمد بن عبد الله أكرم البرية وسيد البشرية؟! أما حوصر المسلمون؟! أما آذاه الكافرون وعاداه المبلطون؟! كان يرى أصحابه بين يديه يقتّلون، وفي أحد سال دمه وكسرت رباعيته وشجّ رأسه، وقتل بين يديه أصحابه، ومثّل بعمه وأحبابه، وفي الخندق أما حاصره الأحزاب وبلغ بالمسلمين من الشدة والمحنة ما زاغت به الأبصار وبلغت القلوب الحناجر؟! هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا.

إنها سنة الله تعالى الماضية، إنها حكمة الله البالغة عباد الله، إنه الابتلاء والاختبار والامتحان للأمة جميعا بقادتها وشعوبها، أليس الله بقادر على أن ينصر رسوله بكلمة كن فيكون؟! أما كان الله جل وعلا قادرا أن يمحق الكافرين وينصر المؤمنين دون عناء ومشقة، دون إزهاق للأنفس وإهدار للأموال؟! إنه اختبار وامتحان للمؤمنين الموحدين يا عباد الله، واستمعوا لكلام ربكم المحكم وآياته البينات الواضحات وحكمته البالغة وسنته الماضية بعد ما أصاب المسلمين ما أصابهم في أحد، نزلت تلك الآيات تربي المؤمنين في كل عصر ومصر، قال الله جل وعلا: هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ .

معاشر المؤمنين، إن أحداث غزة امتحان لنا جميعا في نصرتنا لإخواننا، نصرة باللسان والدعاء والدعم المادي والمعنوي، وامتحان لهم في صبرهم وثباتهم على الحق، وأن هذه المحنة قد كشفت ـ ولله الحمد ـ عن جوانب الخير والوحدة والتضامن بين أفراد الأمة، توحدت المشاعر وتفاعلت القلوب وسارعت الأيادي للدعم والتبرع، وهنا في كويت الخير كان الموقف مشرّفا ـ أميرا وحكومة وشعبا ـ في نصرة أهل غزة، فشكر الله الجميع، ونبشركم بأن أول قافلة أدوية دخلت إلى غزة كانت منها شاحنات من تبرعات لجان الخير في الكويت، أبت إلا أن تكون السباقة في النجدة والنصرة، فبارك الله فيكم يا أهل الكويت، وجعلكم ذخرا وسندا للأمة.

هذا، وصلوا وسلموا على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين...

 

 


شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق


التعليقات 0