1/3/2009


"طفل وقنبلة"!!


 

 

 

 

"طفل وقنبلة"!!

 

 

عزيزي القارئ، هل أتاك نبأ نوارة؟!

إنه طفل صغير، في الربيع الثامن من عمره.

نوارة ككل الأطفال، يستيقظ كل صباح فتجهز له أمه الفطور وتقدمه له، والبسمة تعلو وجهها؛ فكل يوم بالنسبة لها هو لبنة تضعها في صرح ابنها العظيم، كي يصبح "المهندس نوارة".

فيتناول فطوره مسرعًا كي يدرك أباه الذي يوصله إلى مدرسته، فيقضي فيها يومه مع أقرانه بين دراسة ولعب، وتعلم وضحك، فإذا انتهى اليوم الدراسي؛ هرعوا إلى تلك الهضبة في أقصى البلدة، ليلعبوا ويمرحوا ويضحكوا ويتسابقوا، فوق الزروع وبين الأشجار، يرسمون لوحة من الجمال، تعجز كلمات الإنسانية عن وصفها، فلا يمكنك حينها أن تتخيل جمال السماء والزروع بغير هؤلاء الأطفال.

المشهد الأول:

خرج نوارة في ذلك الصباح بعد أن ودع والدته، وذهب إلى مدرسته، وبعد انتهاء يومه الدراسي انطلق إلى الهضبة الخضراء مع أصدقائه ليلعبوا .. استمع معي إلى ضحكاتهم، انظر إلى تلك الابتسامات التي ارتسمت على ثغورهم، ستشعر حينها بنشوتهم وسعادتهم وهم يلعبون .. ومعهم نوارة.

          فجأة، ظهرت الطائرات تزأر في السماء، كاشفة عن مجموعة من القنابل والصواريخ .. نوارة مع أصدقائه يلعب، والقنابل تهوي .. الأطفال يمرحون، والقنابل تهوي .. نوارة يضحك ويهلل والقنابل تهوي .. فجأة، تلاشت الضحكات، وارتفع بدلًا منها دوي القنابل، وعلت الصيحات، وامتلأ الكون بالغبار، ونوارة أين نوارة؟! إنه يرى أصحابه يفرون من حوله، يرى أصحابه يتصايحون باسمه: "نوارة، نوارة"، وهو يتعجب مما يفعلونه، ويريد أن يناديهم كي يكملوا لعبهم معه، هيا بنا لنلعب!!

ولكن عجبًا، ما له يرى الكون قد اصطبغ باللون الأحمر، كأنه لوحة رسام؟! في البداية تعجب، ولكنه أدرك .. أدرك لماذا فر أصحابه من حوله؟! أدرك لماذا كانوا يتصايحون باسمه؟! أدرك لماذا اصطبغ كل شيء باللون الأحمر؟! لم يدرك ذلك بذكائه، ولكن لأنه رأى اللون الأحمر يتحول رويدًا رويدًا إلى الأسود القاتم، والأصوات من حوله تخفت وتتلاشى، حتى صوت الرياح وهي تداعب أشجار الهضبة الخضراء، وصوت أصحابه ينادونه: "نوراة .. نوا .." سكون .. انتهى نوارة.

المشهد الثاني:

          طارت أنباء ما حدث لنوارة، فهبطت بقوة على منزله، فاخترقت قلب أمه الحنون؛ فزاغت النظرات، وانفطر القلب، وهطل الدمع، وتلقفها قلب الوالد المربي؛ فارتجف، وطأطأ رأسه تلقاء الأرض، واختار الحزن هذا المنزل مأوى له يحط فيه رحاله مدة من الزمان.

          صار نوارة تاريخًا، صار أملًا لأب وأم أصعب من أن يتحقق، فخلف وراءه أمًا مكلومة، وأبًا حزينًا، وإن كان ما حدث لنواة مأساة بكل المقاييس، فناك المئات من هذا الـ "النوارة" قد حدثت معهم نفس المأساة، وإن اختلفت التفاصيل قليلًا.

عزيزي القارئ:

أرى أنك قد أدركت أين يعيش نوارة؟! بالتأكيد هو فلسطيني الموطن، ذلك الوطن الذي تكالبت عليه وحوش الغابة تنهش في جسده وهو يستبسل بكل ما أوتي من قوة لرد تلك الوحوش ودحرها.

وإن كانت هذه القصة من بنات خيال كاتبها؛ إلا أنها تصف ما يحدث حقيقة لأطفال المسلمين هناك، يكونوا في البداية سببًا للبسمة والسرور على أسرهم، ثم يصبح هذا الأمل سرابًا بين لحظة وأخرى.

ولكي تدرك حال أطفال فلسطين جيدًا سقت لك مجموعة من الإحصاءات والتعدادات، تصف وبدقة ما يلاقي أطفالنا وأبناؤنا هناك، جمعتها لك من الأخبار المتواترة عبر وسائل الإعلام:

الطفلة "إيمان الهمص" قُتلت بعشرين رصاصة!! وقتلوا الطفلة "غدير مخيمر" وهي على مقعد الدراسة!!

بلغ عدد شهداء الأطفال الفلسطينيين منذ انطلاق انتفاضة الأقصى وحتى الآن ما يزيد على 780 شيهدًا، بينهم 732 من الطلبة.

بلغ عدد الأطفال المصابين بجروح متفاوتة 15400 طفل، بينهم 3010 قد أُصيبوا بإعاقات مختلفة.

اعتُقِل 2500 طفل فلسطيني، بقي منهم رهن الاعتقال 475، بينهم 41 مريضًا، و225 طفلًا تتراوح أعمارهم بين 16 و17 عمًا، وهناك 16 أسيرة فلسطينية قاصرة.

خُمس الأطفال الفلسطينيين اضطروا للانتقال من منازلهم بشكل مؤقت أو دائم لأسباب تتعلق بالاحتلال.

52 % من الأطفال يشعرون أن آباءهم وأمهاتهم ما عادوا قادرين على تلبية حاجاتهم للرعاية والحماية بشكل جيد.

عزيزي القارئ، كم من طفل فلسطيني قُتِل بالرصاص وهو بين أحضان أمه؟! كم من طالب سقطت صاروخ وهو في مدرسته يدرس؟! كم من طفل بريء قد أصابته قنبلة غاشمة وهو بين أصحابه يضحك ويلعب فتلاشت الضحكات؟! بل والأعجب كم من طفل قد اعتقِل وكأنهم هم العدو الأول للصهاينة؟! ناهيك عن جرائم الاعتداء والتحرش الجنسي للأطفال ذكورًا وإناثًا.

هذه حالة الأطفال في غزة الآن أيها الحبيب، لا أمان، لا دراسة، لا أصدقاء، ولا مال، بل ولا طعام أو شراب، تخيل معي عزيزي القارئ شعور الأسرة الجالسة في بيتها وهي تظن كل صوت تسمعه صاروخًا يهبط عليها، وهي تنتظر دورها ليتحطم عليها المنزل!!

وما العمل؟

أولًا ـ اغرس فيه رابطة الأخوة.

اغتنم أيها المربي الفاضل هذه الحادثة كي تغرس رابطة الأخوة الإسلامية في نفس طفلك، كي يتحقق حديث النبي صلى الله عليه وسلم: ((مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر)) [صححه الألباني]، فاجعله يعلم ما يتعرض له الأطفال في غزة من جوع وفقر وبين له ذلك، فتتوحد مشاعره مع مشاعر أطفال غزة، فهذا هو سبيل نصر أمتنا أن تتوحد مشاعرها وقلوبها.

ثانيًا ـ الدعاء.

أوصيك أولًا أيها المربي بالدعاء للمسلمين في غزة في صلاتك وسجودك في كل حالك، واصطحب ابنك معك حين الدعاء، ولترفع به صوتك واجعله يؤمن عليه، بل وحضه على أن يدعو الله في صلاته أيضًا وفي سجوده.

ثالثًا ـ علمه الإيجابية.

عزيزي القارئ، كفانا سلبية حتى الآن، ولنبدأ بتعليم أبنائنا الفاعلية والإيجابية، فنحن أمة الفاعلية، فنبينا صلى الله عليه وسلم هو القائل: ((واستعن بالله ولا تعجز)) [صححه الألباني]، وهو القائل: ((إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها)) [صححه الألباني]، فالجمعيات الخيرية التي تقوم بجمع التبرعات لأهل غزة كثيرة، وتتكفل بإيصال هذه التبرعات، فأنفق مما لديك، وحض ابنك أن يخرج من ماله، أو من ثيابه، أو حتى من ألعابه، وابحث معه عن جمعية تقوم بجمع التبرعات وأنفقها لديها، فهذا جهاد المال وهذا عملك إزاء ما يحدث للمسلمين في غزة.

وصدق الشاعر إذ يقول معبرًا عن كل طفل فلسطيني:

هل نسيتم من أنا فأذكركم من أكون؟!

مئات الشهداء بأرضي يسقطون

أطفال في الشوارع يبكون
ومجزرةُ غزة ... هل تهون؟!
هل نسيتم من أنا فأذكركم من أكون؟!
أنا طفل فلسطين الحنون

أنا من وُلدتُ من آهاتٍ وأحزانٍ وشجون
فأبناء شعبي في السجون
والأطفال من الحليب يُحرمون
والمئات منهم في العراء مُشردون
هل نسيتم من أنا فأذكركم من أكون؟!
أنا الذي حُرِم من الحرية
ومِن أن يكون
أنا الذي دمرت أحلامَهُ دباباتُ بني صهيون
أنا من في الحياة تحت القبر مدفون
أنا من أرقتهُ آهات الثكالى وتعذيبُ السجون
أنا طفل فلسطين الحنون
هل نسيتم من أنا فأذكركم من أكون؟!

 


شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق


التعليقات 0