12/17/2007


وتبقى في النفس كلمة .... حول تراثنا الضائع


 

 

إن أعظم ما صُرفت به الأوقات وأجل ما بُذلت من أجله الطاقات – بعد دين الله الحنيف – هو هذا التراث الخالد الذي يسجل أعظم حضارة وأسمى منارة لتلك البلدة التي تحفل بهذا التراث العظيم.

 

ولقد ضَربت فلسطين في مجال التراث والمخطوطات بسهم وافر

اعتُبرت به عند أهل هذا الفن ذات تراث أصله راسخ وفرعه شامخ ومجده بازخ،

 وكانت فلسطين مُذْ عرفت درة تتلألأ وريحانة تهتز وبلدةُ رُحلة ومحط رحلة لجميع العلماء قديماً وحديثاً وذلك عبر العصور وكرِّ الأيام والدهور، وكانت خزائنها بعامة وخزائن المسجد الأقصى بخاصة يُجبى إليها نفائس الكتب والمؤلفات ويُهدى إليها نوادر المصنفات والمخطوطات وبخاصة المؤلفات التي بخط مؤلفيها أو خطوط ناسخيها .

 

فامتلكت فلسطين عبر الحقب والأزمان تراثاً ثرّاً احتضنته خزائن جليلة ويملكها أصحاب  بيوت ذوي أمجاد أصيلة، جاء على وصفها العلامة النحرير طرازي بقوله: "تلك الخزائن التي حوت كنوزاً يعز وجود نظيرها في بلد  آخر .." ا.هـ

 

وقال عنها العلامة محمد أسعد طلس: "..وفي كل دار من هذه بعض المخطوطات التي لا شك أن بعضها قيم .."ا.هـ

 

ولقد بات من  مكرور القول  ومُعاد الكلام أن الاشتغال  بالتراث موقف حضاري وليس نبشاً في القبور واهتماماً بالرمم والبلى:

وعيرها الواشون أني أحبها          وتلك  شَكاة ظاهر عنك عارها

 

وإذا رجعنا ببصرنا إلى التاريخ رأيناه  يحدثنا عن تراث فلسطين  ودور كتبها وخزائن مخطوطاتها فتأخذنا لوعة تكلُم الفؤاد وتصيبنا حسرة تميت القلب كمداً وألماً بمجرد  هذا الوصف ونبكي على ذهاب العين والأثر.

فهذا التراث الذي سجله وجمعه  آباؤنا وهذه الدور والخزائن التي أسسها أجدادنا يحدثنا التاريخ الصادق – الذي لا يغفل تسطير كل شيء- بما يثير الأشجان والأحزان  ويستمطر الدموع من الآماق على تراث ما علمنا منه إلا الاسم دون الرسم.

فلا يزال تراث فلسطين الحبيبة يعرض للمصيبة تلو المصيبة فما يكاد يفيق من مصيبة حتى تبهته الثانية فتنسيه الأولى، فمن سرقةٍ لهذا التراث إلى تدميرٍ لخزائنه ودوره إلى ثالثة الأثافي وهي تحريفه وتزويره، وسرعان ما تظهر لنا الأيام أن خزائن ومكتبات أوروبا قد زينت رفوفها بهذه النفائس من المخطوطات التي تشتكي إلى الله ما حلّ فيها من اغتصاب وتشريد ونهب وتغريب في سماء الغرب المجرم.

يقول باعث النهضة الشامية محمد كرد علي رحمه الله ".. وما زال الشيوخ من أهل هذا الجيل يحدثوننا بما وقع لكتبنا في مصر والشام وأقله السرقة والحرق الإختياري وبيعها من الدلالين لينقلونها إلى الأجانب .." ا.هـ

ثم إني أتركك أخي القارئ الحبيب تعيش مع أنات مقهور وزفرات مصدور نفثتها يراعة فارس من فرسان المخطوطات وعاشق من عشاق التراث وواحد من حاملي راية الدفاع عنه بكل غالٍ ونفيس العالم الأديب والحصيف الأريب إسحاق موسى الحسيني رحمه الله وهو يتكلم عن مأساة مآل تراثنا السليب فيقول ".. ويظهر أيضاً أن تجار المخطوطات من الغرباء سطَوا على كثير من الكتب الثمينة والتي وقفها السلاطين والأمراء والأعيان وهرّبوها إلى خارج البلاد في غفلةٍ من أهلها فهناك صناديق مليئة بالمخطوطات في جامعة (هايد لبرغ) في ألمانيا عليها ختم المسجد الأقصى عدا ما تسرب إلى أوروبا وأمريكا من تراثنا السليب .. " ا.هـ

وذكر المُثل والأمثلة عل شبيه هذه المآسي والمصائب أكثر من أن تحصى وأعظم من أن تستقصى أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:

 

 (1) ما ذكره العلامة فيليب طرازي في كتابه الماتع "خزائن الكتب العربية في الخافقين 1/21-22" فقال "ومن أثمن ما وقع عليه نظرنا في القدس الشريف عام 1893م مصحف بديع موشّى بالعسجد واللجُين (1) كتبه عبد الله ابن أمير المسلمين أبي سعيد عثمان سلطان الجزائر وهذا المصحف الذي يزيّن خزائن المسجد الأقصى مكتوب بحبر أحمر وأزرق وأخضر وقرمزيّ مُزج بالمسك والزعفران، يرتقي تاريخه إلى سلخ ذي

 الحجة سنة 745 هـ ولما سُرق هذا المصحف منذ بضعة أعوام قامت الحكومة الفلسطينية وقعدت للأمر وبثّت العيون على النصوص في جميع الأمصار حتى عثرت سنة 1936م على المسروق في حانوت أحد تجار العاديات بالقاهرة فاستولت عليه وأعادته إلى مركزه في خزائن المسجد الأقصى . " ا. هـ

 

 (2) وكذلك ما وصفه مؤرخ غزة النحرير عثمان الطباع رحمه الله في كتابه المستطاب (اتحاف الأعزة في تاريخ غزة1 /315-316) بقوله "...ثم إن العساكر الأتراك أعادوا الكرّة على غزة، فلم يتركوا باباً إلا خلعوه ولا سقفاً أو جداراً فيهم حديد أو خشب إلا هدموه ونقضوه حتى خلعوا منابر الجوامع وبددوا الكتب والمصاحف الموثوقة بها والكتب الموجودة بدور أهل العلم والفضل وأخذوا منها  ما أخذوه وباعوه بقيمة زهيدة لا توازي مؤنة حمله..."

ثم قال "... ورأيت  أوراق المصاحف والتفاسير وكتب الحديث وغيره مبعثرة في سائر الطرقات ومنها ما هو ملقى في القاذورات فتذكرت بذلك واقعة الأندلس ووقائع التتار وما بها اقترفوه ( ولو شاء ربك ما فعلوه) فخرجت منها لهفاً وبكيتها حزناً وأسفاً .."

 

 (3) وراجع في كتاب (التراث العربي المخطوط في فلسطين) – ندوة معهد المخطوطات في القاهرة صحيفة رقم 109 – "تجد قصة المخطوط النادر الذي لا ثاني له في العالم والذي كان يوماً من الأيام من مخطوطات الخزانة الأحمدية –أحمد باشا الجزار- في عكا ثم انتقل إلى مكتبات أوروبا..." فيا غوثاه.

 

 ثم إن مما يجعل هذا الموضوع ذا أهمية كبيرة ومحط أنظار ذوي الغيرة على هذا التراث ذي المجد الأثيل، هو ما ينبغي معرفته وعدم إغفاله حول هذا التراث وذلك عبر دراسة مخططات وبروتوكولات  أعداء هذا التراث ومحاولاتهم المرة بعد المرة والكرة بعد الكرة  لتدميره والعبث به بشتى الوسائل والطرق و بخاصة الأيدي الصهيونية الغاصبة الغاشمة.

 

فلا يحسبن أحد أو يظن ظان أن الدماء التي تسيل على أرض فلسطين ينبغي أن تشغلنا عن التراث الموجود هناك، فهذا التراث مستهدفٌ أيضاً، نعم مستهدف... ففي الوقت الذي يحمل فيه الجندي الإسرائيلي سلاحه ليطلق الرصاصة الغاشمة على رأس فلسطيني أو صدره فإن جندياً آخر - لا نراه على شاشات التلفاز- يحرق أو يحرف كتاباً أو وثيقة أو يدمر خزانة وداراً كانت مليئة بالنفائس والنوادر ويبحث بين سطور هذه أو تلك عن طلقة من نوع آخر غير الذي نعرفه قد تزيد خطورتها عن طلقة البندقية ودانة المدفع وقنبلة الطائرة.

 

 وهذا شأن اليهود عبر تاريخهم الأسود الطويل الذليل الذي يحكي عنهم أنهم كانوا يقتلون الأنبياء بيدٍ ويحرفون كتبهم السماوية بيدٍ أخرى وذلك أنهم أدركوا بمكرهم الشيطاني خطر الكلمة وتأثيرها وعلموا أنها من طريقها يمكنهم أن يصلوا إلى مآربهم وأغراضهم الدنيئة .

 

ثم إن مما يجعل العيون تبكي دماً والأفئدة تتفتت ألماً هو ما نراه على مرِّ الأيام من ذهابٍ للعلماء الواحد تلو الآخر من أولئك  الذين اعتبروا من أساطين هذا التراث ومن علماء المخطوطات في فلسطين الذين غُرست بجهودهم بذور هذا التراث ونبتت على أيديهم أغصان هذه الخزائن والتي سرعان ما أينعت ثمارها ونبتت أزهارها ومن هؤلاء الفرسان الذين شهدت بقاع فلسطين لحبيبة صولاتهم وجولاتهم في حفظ هذا التراث وجمع أشتاته وشراء مخطوطاته وكان شعارهم ودثارهم:

وقفت على إحياء قومي يراعتي          وقلبي وهل إلا اليراعة والقلب

 

 

 

الشيخ العلامة النحريير والجهبِذ الخطير خليل  الخالدي ( ت1360هـ-1941م) رحمه الله تعالى وصاحب الخِزانة  والمكتبة الشهيرة بنوادرها ونفائسها والتي قال عنها أسعد طلس " إن الكتب التي جمعها هي من أنفس المخطوطات العربية "وقال عنه وعن خزانته طرّازي " لهذا الشيخ معرفة واسعة بالكتب ومؤلفيها ومواضيعها وأثمانها ومزاياها وكلما يتعلقبها وقد تفوق بعلم المخطوطات .." وقال عنه أديب فلسطين الكبير عجاج نويهض " اعتُبر فهرست المخطوطات الحي والماشي في أهم مكتبات الشرق والغرب ".

 

وجمع مذكرة كبيرة وخطيرة بلغت خمسين جزءاً في ذكر ما وقف عليه من الكتب والمكتبات التي زارها وسمى هذه التذكرة " فهرست في بيان أصول الكتب الإسلامية الصحيحة التي أعظمها بخطوط المؤلفين أو غالبها عليه خطوط المؤلفين". والتي قال عنها الأستاذ محمد خير رمضان يوسف " ولو وجد هذا الكتاب لكان منافساً لكتابي بروكلمان  وسزكين."

 

وكذلك رصيفه وقرينه الإمام العلامة والمؤرخ الفهامة صاحب المساجلات التاريخية والتحريرات التراثية والمقالات الأثرية على صفحات مجلات المجامع العلمية والدوريات الأدبية والتراثية الأستاذ عبدالله مخلص (1947م-1367هـ) رحمه الله وصاحب التواليف العديدة والمصنفات المفيدة والبحوث التليدة والذي قال عنه أديب فلسطين وعالمها الكبير النشاشيبي " كان الجاحظ أعجوبة بيانه وكان مخلص أعجوبة زمانه" يعني في التاريخ ، وكان يملك خزانة كتب شهيرة كان يطلق عليها بنفسه "الخزانة المخلصية" الزاخرة بنفائس الكتب والنوادر والمحلاة بالأعلاق النفيسة من المخطوطات والكتب والمجلات التي كانت أصدق شاهد وأمثل دليل على الهمة العالية التي تحلى بها رجالات هذا العصر من تضحية وبذل للجهود من أجل خدمة تراث فلسطين ولو على حساب أرواحهم وبذل كل نفيسٍ وغالٍ من أجل الحفاظ على هذا التراث الذي حوته فلسطين على رفوف خزائنها ومخادع مكتباتها.

 

ويعتبر الخالدي ومخلص فارسا علم المخطوطات في فلسطين لا يُشق لهما غبار ولا يُرجى لهما عثار ومن العلماء الذين حملوا راية التحقيق والتدقيق والتدنيق بكلتا يديهم ومضوا به أشواطاً وأشواطاً لم ترتعش  لهم يد ولم يلتو بهم الطريق ولم تزلّ لهم قدمٌ ولم يزغ منهم بصر حتى قضوا نحبهم.

 

وما عُدمت فلسطين – ولن تُعدم – إلى يومنا هذا من فرسان ساروا على نهجهم ونسجوا على نَوْلِهم من لِداتهم ورصفائهم وأقرانهم وتلاميذهم أمثال العلامة الأديب سعيد الكرمي والفاضل النحرير أحمد سامح الخالدي والأديب الأريب يوسف ضياء الدين الخالدي وقريبه روحي الخالدي والعلامة الأديب إسعاف النشاشيبي و تلميذه النجيب إسحاق موسى الحسيني ومن تلاميذهم الذين وإن لم يبلغوا درجتهم ولكن ليسوا بمنئىً عنهم بل ينادونهم من مكان قريب مما لا يسمح المجال بتسطير أسمائهم في هذا المقال.

 

وبعد هذا كله من تيك اللمحة المحزنة من تاريخ تراثنا السليب والتي تستمطر الدمع من الآفاق  والتي أحببت الإشارة  إليها  وحرصت بالتنبيه عليها  لأزف إلى عشاق التراث ومحبي المخطوطات والقادري قدره بشارات مركزٍ غاية مقصده وكمال هدفه هو الحفاظ على ثمالة تركة سلفنا  الصالح عبر القرون والأزمان .

 

أعني بالمركز هو (مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية) والذي شعر –بهمة رجاله ونخوة شبابه وشهامة أهدافه وشرف مقصده ونبالة مؤسسيه –بهذه المسئولية العظيمة تجاه تراثه السليب و إرثه المنهوب الراقد بين تفريط أبنائه وسندانة أعدائه والذي كاد يلفظ أنفاسه الأخيرة لولا أن قُيض له هذا المركز المبارك ليعيده غضاً طرياً كما تركه أسلافنا...

 

ويحاول رجالات المركز بكل ما أُوتوا من جهود وطاقات لبذل شتى الوسائل والطرق لإنقاذ هذا التراث الذي نصب أعداؤه له الدساكر  وجيشوا من أجله العساكر محاولين إجهاضه قبل أن  يُوجد أو وأده بعد أن يولد، فينشئ على إثره جيل عربي لا يعرف عن هذا التراث والميراث إلا اسماً يسمعون به دون معاينة الرسم ورؤية الأثر والذي إن وجد فهو طللٌ بالٍ وأثرٌ خالٍ...

 

يلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد ...

 

ويقرر المركز جعل هذا التراث نصب عينيه يوليه اهتمامه الشديد ويمنحه حرصه الأكيد على طباعته ونشره وتحقيق المخطوطات والبحث عن المفقود من تلك المؤلفات التاريخية والتراثية.

 

والإسلامية  والأدبية التي عرضت للسلب والنهب والتغريب فضلاً عن إتلافها إما بالحرق أو التمزيق أوتدمير رفوفها وهدم ركام الخزائن والدور فوقها والله المستعان.

 

وختاماً :

          وينبغي في ختام هذه الكلمة المؤلمة التي تجدد لوعة الأسى والحزن على كل من سمع هذا الكلام بأذنيه أو قرأه بكلتا عينيه أن ينهض من رقاده ويستقظ من نومه وسباته ويشد مئزره ويشمِّر عن ساعد الجد ويجدد همته ويتعاهدها المرة بعد المرة للقيام بهذه المسئولية تجاه هذا الإرث العظيم كما عهده أسلافنا ، وليحذر الإنسان من أن يخفر ذمة عهدها إليه أسلافه وأجداده بعد أن طوّقوها أمانة في عنقه للحفاظ عليها.

 

وها هو المخطوط العربي يستغيث بك أخا العرب، وها هو التراث يستنجد بني قومه ولسان حاله يقول :"متى عهدتمونا نقْبَل يد كل لامس، ومتى عرفتمونا نُهان ونُسرق ونُنهب وسط الظلام الدامس، ومتى أدركتمونا نألف سماء أوروبا والعيش في الأديرة والكنائس ، بل متى كنا نستخدم ذريعة لتزوير التاريخ وسلب الدسائس..

 

فسارعوا رحمكم الله  إلى ذخيرة الذخائر، وبادروا إلى مفخرة المفاخر والتفّوا حول تراثكم، واحملوه فوق رؤوسكم وارعوه حق رعايته، واعلموا أنكم إذا أقمتم هماًّ هذا التراث في قلوبكم فأبشروا بقيامه على  أرضكم عزيزاً وإن تهينوه يُهَن، وإن تصونه يُصَن، والله من وراء القصد.

 

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

 

 


شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق


التعليقات 0