12/17/2007


تعظيــم الله وتـوقيــره


الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، فاطر السماوات والأرض، خالق الظلمات والنور... والصلاة والسلام على محمد رسول الله خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين وأزواجه أمهات المؤمنين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:

فإن الإسلام دين الفطرة، وهو الدين الذي بعث الله به جميع الأنبياء والمرسلين، وأمر به جميع خلقه، وليس لله سبحانه دين سواه ، فمن آمن به وعمل بشريعته فقد آمن، ومن أعرض عنه أو استهزأ به أو سبّه فقد كفر.

ودين الله تعالى مبنيّ على المحبة والتعظيم والذّل والخضوع ، فمن دخل فيه كان له نصيب منه بقدر ما يقع في قلبه من هذه الصفات، كما قال تعالى:(ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) (الحج:32).

 فمن قام في قلبه تعظيم الله وتوقيره لم يكن له من طريق إليه إلا طريق التوحيد، لا بنسبة الولد إليه كما فعل اليهود والنصارى ، ولا باتخاذ الوسائط إليه كما فعل المشركون بعبادتهم الأصنام، فكل أولئك منتقصون سابّون لله عز وجل، كما قال تعالى عن قوم نوح في عبادتهم الأصنام التي شبّهوا فيها آلهتهم ومعبوداتهم بالخالق تعالى حين صرفوا لها أنواعاً من العبادة، فكان ذلك منهم تنقصاً لله فأنزل الله عليهم عذابه وعقوبته في الدنيا وفي الآخرة فقال تعالى موبخاً إياهم : (مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً) (نوح:13) وذلك على لسان نوح عليه السلام، وكما رد على النصارى واليهود في نسبتهم الولد والصاحبة وعدها سبا وشتما له جل جلاله، فقد أخرج البخاري - رحمه الله - في صحيحه عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: قال النبي- صلى الله عليه وسلم -:(قال الله تعالى: شتمني ابن آدم وما ينبغي له أن يشتمني وكذبني وما ينبغي له أن يكذبني، أما شتمه إيايّ فقوله: إن لي ولدا وأنا الله الأحد الصمد لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفوا أحد، وأما تكذيبه إيايّ فقوله: ليس يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته)، ويؤكد هذا المعنى من أنّ نسبة الولد إلى الله من أعظم السبّ والشتم ما قاله تعالى في سورة مريم : (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا) (مريم :88-91).

وإذا كان هذا الحال فيمن سبّ الله تعالى وهو يظن أنه إنما ينزهه ويقدسه كحال اليهود النصارى في نسبتهم الولد إلى الله تعالى، أو كحال المشركين الذين ظنوا أنهم باتخاذهم الوسطاء كالأصنام التي عبدوها إنما يتقربون بذلك إلى الله ، فعدّه الله تعالى في كتابه من سبّه وشتمه وتنقصه، فما هو الحال في أناس يشتمون الله صراحة ويسبّونه جهاراً نهاراً !!!، فتجد منهم من يصاب بالمصيبة فيرتدّ ويكفر ويسب دين الله أو ذاته المقدسة بدلاً من الاسترجاع المشروع، فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، ومنهم من إذا ضايقه أو أزعجه أو ظلمه أحدهم سارع إلى السب والشتم والكفر !!، بدلاً من الاحتساب والدعاء والعمل على ما يسترجع به مظلمته ممن ظلمه.

بل من الناس من يسب الله أو دينه على سبيل الكلام الدّارج - غير المقصود في ظنه وزعمه !! -، ثم يظن بعد ذلك أنه على دين الإسلام !!!، وأنه سينجو من عذاب الله الدنيوي والأخروي لأنه لم يقصد حقيقة الكلام ومعناه !!، وكم ذمّ الله تعالى ظن المشركين الذين كفروا في الله بعبادة الأصنام أو الكواكب أو نسبة الألوهية إلى غيره سبحانه وتعالى من البشر كالمسيح أو الملائكة ، ولم يُعذر أحدٌ بأنه لم يقصد الكفر، بل - كما بيّنا - إنما قصدهم إما تعظيم الله وتنزيهه أو التقرب إليه باتخاذ الوسائط كما يُصنع مع ملوك الدنيا ، فيقول تعالى: (وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ) (يونس/36)، وقوله تعالى:(وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ) (يونس/60) ، وقوله تعالى : (إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى * أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى) (النجم/19-24) .

وقد جاء في الكتاب والسنة ما يدل على سدّ ذرائع الشرك والتنقص من الله تعالى أو سبه، كنهيه سبحانه وتعالى عن سبّ آلهة المشركين لما تؤدي مسبتها إلى سبّه سبحانه وتعالى، وإن كان سبّ الآلهة الباطلة حقٌ، ولكن لما أدى إلى سبّه تعالى نهي عنه تعظيماً لجنب الله فقال تعالى:(وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأنعام/108).

 كما نهى الله عن أشياء لا يقصد بها سبّه ولكنها قد تؤدّي إلى نسبة النقص لله سبحانه وتعالى، كنهيه تعالى عن سبّ الدهر ، ففي الصحيحين عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: قال الله تعالى:(قال الله عز وجل: يؤذيني ابن آدم يسبّ الدهر وأنا الدّهر بيدي الأمر أقلّب الليل والنهار)، ومعناه: أن العرب كانت من شأنها ذم الدهر وسبّه عند المصائب والنوازل ، فإذا سبّوا الدهر لِمَا نالهم فيه من الشدائد سبّوا في الحقيقة فاعلها؛ فكان مرجع سبها إلى الله سبحانه وتعالى، إذ هو الفاعل على الحقيقة ، فنُهُوا عن سبّ الدّهر، وعدّه الله تعالى إيذاءً له، وقد قال تعالى في كتابه: (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا) (الأحزاب/57).

وما اعتذار كثير من أولئك الذين يسارعون إلى الكفر بالله بأنواع المسبّة له سبحانه أو لدينه أو لكتابه أو لأنبيائه ورسله إذا رُوجِعُوا بما خرج من أفواههم إلا أنهم لا يقصدون الكفر أو السبّ !!! ، فماذا يقصدون إذن ؟!!! ، يقول الله تبارك تعالى : (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ) (التوبة/65-66) .

 جاء في سبب نزول هذه الآية عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن رجلاً في غزوة تبوك قال: "ما رأينا مثل قرّائنا هؤلاء أرغب بطوناً ولا أكذب ألسناً ولا أجبن عند اللقاء"، يعني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه القراء، فقال عوف بن مالك: "كذبت ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -" فذهب عوف إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليخبره فوجد القرآن قد سبقه ، فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد ارتحل وركب ناقته، فقال: "يا رسول الله ، إنما كنا نخوض ونتحدث حديث الركب ، نقطع به عنّا الطريق" ، قال ابن عمر - رضي الله عنهما - : "كأني أنظر إليه متعلقاً بِنِسْعَة ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإن الحجارة تنكبُ رجليه وهو يقول: إنما كنا نخوض ونلعب ، فيقول له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :" قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ " ما يلتفت إليه وما يزيده عليه" (أخرجه ابن جرير الطبري في التفسير بإسناد حسن)، فالله سبحانه وتعالى قد أخبر بهذه الآية أنهم كفروا بعد إيمانهم مع قولهم : تكلمنا بالكفر من غير اعتقاد له، بل إنما كنا نخوض ونلعب !!! ، فالإيمان يمنع صاحبه أن يتكلّم بالكفر، ويستلزم من العمل الظاهر بحسب ما في قلبه من الإيمان أو الكفر، يقول الشاعر:

لسان الفتى نصف ونصف فؤاده **** فلم يبق إلا صورة اللحم والدم

ثم اعجب أشدّ العجب - أيها الأخ المسلم - من حال أولئك الذين يسارعون إلى الكفر – ولا يحزنك كفرهم فإنهم لن يضروا الله شيئاً – حينما تذكرهم بجريمتهم الكبرى بمسارعتهم إلى الاستغفار في كل مرّة، ثم هم يعودون لما قالوا أوّل مرّة، ولو صحت توبتهم لما عادوا لما قالوا، ولكنهم يخادعون الله وهو خادعهم ، يقول تعالى:(يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) (البقرة/9-10) ، ويقول الله تعالى:(إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا * بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) (النساء/137-138).

وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين ، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

 

 

وكتبه

 محمد بن محمود الصالح

 


شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق


التعليقات 0