9/16/2008


وقعة أجنادين دروس وعبر


وقعة أجنادين دروس وعبر

 

الحمد لله والصلاة على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين  وبعد :

إن في حروب المسلمين التي خاضوها لنشر دين الله فوائد ودروس عظيمة من العدل والتضحية والتفاني . العدل الذي اعترف فيه الأعداء قبل الأصدقاء وقلما يجتمع العدل مع الحرب وهذا ما عرفه العالم إلا مع المسلمين ، فلابد والحال هذه أن نقف وقفات للعظة والعبرة مع موقعة حدثت على أرض فلسطين لاستثارة الهمم وتقوية العزائم في وقت ضعفت فيه وفترت .

أجنادين: بالفتح ثم السكون ونون وألف وتُفتح الدالُ فتكسر معها النون فيصير بلفظ التثنية وتكسر الدال وتُفتح النون بلفظ الجمع وأكثر أصحاب الحديث يقولون إنه بلفظ التثنية ومن المحصلين من يقوله بلفظ الجمع.

وهو موضع معروف بالشام من نواحي فلسطين، وفي كتاب أبي حذيفة إسحاق بن بشر بخط أبي عامر العبدري أن أجنادين من الرملة من كورة بيت جبرين كانت به وقعة بين المسلمين والروم مشهورة.

 وقال العلماء بأخبار الفتوح شهد يوم أجنادين مائة ألف من الروم سرّب هرقل أكثرهم وتجمع الباقي من النواحي وهرقل يومئذٍ بحمص فقاتلوا المسلمين قتالاً شديدا ثم إن الله تعالى هزمهم وفرًقهم وقتل المسلمون منهم خلقاً، واستُشهد من المسلمين طائفة منهم عبد اللّه بن الزبير بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف وعِكرمة بن أبي جهل والحارث بن هشام وأبلى خالد بن الوليد يومئذٍ بلاءً مشهوراً وانتهى خبر الوقعة إلى هرقل فنخب قلبه ومُلىء رعباً فهرب من حمص إلى أنطاكية وكانت لاثنتي عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة قبل وفاة أبي بكر رضي الله عنه بنحو شهر. (فتوح البلدان )

عمرو بن لعاص ( رضي الله عنه ) وأرطبون الروم  :

كتب عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص بالمسير إلى إيليا، ومناجزة صاحبها فاجتاز في طريقه عند الرملة بطائفة من الروم فكانت، وقعة أجنادين وذلك أنه سار بجيشه وعلى ميمنته ابنه عبد الله بن عمرو، وعلى ميسرته جنادة بن تميم المالكي، من بني مالك بن كنانة، ومعه شرحبيل بن حسنة، واستخلف على الأردن أبا الأعور السلمي، فلما وصل إلى الرملة وجد عندها جمعا من الروم عليهم الأرطبون، وكان أدهى الروم وأبعدها غورا، وأنكأها فعلا، وقد كان وضع بالرملة جندا عظيما وبإيلياء جندا عظيما، فكتب عمرو إلى عمر بالخبر.

فلما جاءه كتاب عمرو قال: قد رمينا أرطبون الروم بأرطبون العرب، فانظروا عما تنفرج.

وبعث عمرو بن العاص علقمة بن حكيم الفراسي، ومسروق بن بلال العكي على قتال أهل إيليا.

وأبا أيوب المالكي إلى الرملة، وعليها التذارق، فكانوا بإزائهم ليشغلوهم عن عمرو بن العاص وجيشه، وجعل عمرو كلما قدم عليه إمداد من جهة عمر يبعث منهم طائفة إلى هؤلاء وطائفة إلى هؤلاء.

وأقام عمرو على أجنادين لا يقدر من الأرطبون على سقطة وكان عمرو بن العاص رضي الله عنه  لا تشفيه الرسل فوليه بنفسه، فدخل عليه كأنه رسول، فأبلغه ما يريد وسمع كلامه وتأمل حضرته (1) حتى عرف ما أراد، وقال الأرطبون في نفسه: والله إن هذا لعمرو أو أنه الذي يأخذ عمرو برأيه، وما كنت لأطيب القوم بأمر هو أعظم من قتله.

فدعا حرساً فسارّه فأمره بفتكه فقال: اذهب فقم في مكان كذا وكذا، فإذا مر بك فاقتله، ففطن عمرو بن العاص فقال للأرطبون: أيها الأمير إني قد سمعت كلامك وسمعت كلامي، وإني واحد من عشرة بعثنا عمر بن الخطاب لنكون مع هذا الوالي لنشهد أموره، وقد أحببت أن آتيك بهم ليسمعوا كلامك ويروا ما رأيت.

فقال الأرطبون: نعم ! فاذهب فأتني بهم، ودعا رجلاً فسارّه فقال: اذهب إلى فلان فرده.

وقام عمرو فذهب إلى جيشه ثم تحقق الأرطبون أنه عمرو بن العاص، فقال: خدعني الرجل، هذا والله أدهى العرب (2).

وبلغت عمر بن الخطاب فقال: لله در عمرو.

ثم ناهضه عمرو فاقتتلوا بأجنادين قتالاً عظيماً، كقتال اليرموك، حتى كثر القتلى بينهم ثم اجتمعت بقية الجيوش إلى عمرو بن العاص، وذلك حين أعياهم صاحب إيليا وتحصن منهم بالبلد، وكثر جيشه، فكتب الأرطبون إلى عمرو بأنك صديقي ونظيري أنت في قومك مثلي في قومي، والله لا تفتح من فلسطين شيئا بعد أجنادين فارجع ولا تغر فتلقى مثل ما لقي الذين قبلك من الهزيمة، فدعا عمرو رجلا يتكلم بالرومية فبعثه إلى أرطبون وقال: اسمع ما يقول لك ثم ارجع فأخبرني.

وكتب إليه معه: جاءني كتابك وأنت نظيري ومثلي في قومك، لو أخطأتك خصلة تجاهلت فضيلتي وقد علمت أني صاحب فتح هذه البلاد، واقرأ كتابي هذا بمحضر من أصحابك ووزرائك.

فلما وصله الكتاب جمع وزراءه وقرأ عليهم الكتاب فقالوا للأرطبون: من أين علمت أنه ليس بصاحب فتح هذه البلاد ؟ فقال: صاحبها رجل اسمه على ثلاثة أحرف (أي عمر رضي الله عنه ) .

( فيا سبحان الله أين ساسة اليوم الذين يتبجحون بأنهم يمتلكون حنكة وفراسة ومراوغة في التعامل مع المغتصب اليهودي ، ويوماً بعد يوم تزداد الطين بلة وبدلاً من أن يأخذوا بالفلسطينيين إلى بر الأمان تتعقد القضية وتزداد الأمور سوءا ، فهل لنا بمثل عمرو بن العاص ؟!!! ) .

 ضرار بن الأزور : قال شداد بن أوس: فأقمنا على حصارهم عشرين يوما (أي أهل دمشق)، فلما كان بعد ذلك جاءنا ناوي بن مرة وأخبرنا عن جموع الروم بأجنادين وكثرة عددهم فركب خالد نحو باب المدينة الجابية إلى أبي عبيدة يخبره بذلك ويستشيره وقال: يا أمين الأمة إني رأيت أن ترحل من دمشق إلى أجنادين، ونلقى من هناك من الروم، فإذا نصرنا الله عليهم عدنا إلى قتال هؤلاء القوم. قال أبو عبيدة: ليس هذا برأي قال خالد: ولم ذلك؟ قال أبو عبيدة: إذا رحلنا يخرج أهل المدينة فيملكون مواضعنا، فلما سمع خالد ذلك من أبي عبيدة. قال: يا أمين الأمة إني أعرف رجلاً لا يخاف الموت خبيراً بلقاء الرجال قد مات أبوه وجده في القتال. قال: ومن هذا الرجل يا أبا سليمان. قال: هو ضرار بن الأزور بن طارق. قال أبو عبيدة: والله لقد صدقت ووصفت رجلاً باذلاً معروفاً فافعل. قال: فرجع خالد إلى بابه واستدعى بضرار بن الأزور فجاء إليه وسلم عليه. فقال: يا ابن الأزور إني أريد أن أقدمك على خمسة آلاف قد باعوا أنفسهم لله عز وجل واختاروا دار البقاء والآخرة على الأولى، وتسيروا إلى لقاء هؤلاء القوم الذين وردوا علينا، فإن رأيت لك فيهم طمعاً فقاتلهم، وإن رأيت أنك لا تقدر عليهم فابعث إلينا رسولك. فقال ضرار بن الأزور: وافرحتاه، والله يا ابن الوليد ما دخل قلبي مسرة أعظم من هذه فاتركني أسير وحدي. قال خالد: لعمري إنك ضرار، ولكن لا تلق نفسك إلى الهلاك وسر بما ندب معك من المسلمين. قال فقام ضرار رضي الله عنه مسرعاً فقال خالد: أرفق بنفسك حتى يجتمع عليك الجيش فقال: والله لا وقفت ومن علم الله فيه خيراً أدركني ثم ركب ضرار وأسرع إلى أن وصل إلى بيت لهيا، وهو الموضع الذي كان يصنع فيه الأصنام فوقف هناك حتى لحق به أصحابه. فلما تكاملوا نظر ضرار، وإذا بجيش الروم ينحدر كأنه الجراد المنتشر وهم غائصون في الدروع وقد أشرقت الشمس على لاماتهم وطوارقهم.

فلما نظر إليهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا لضرار: أما والله إن هذا الجيش عرمرم والصواب أننا نرجع. فقال ضرار: والله لا زلت أضرب بسيفي في سبيل الله وأتبع من أناب إلى الله ولا يراني الله مهزوماً، ولا أولي الدبر لأن الله تعالى يقول " فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة فقد باء بغضب من الله " ( الأنفال: 16) ، وتكلم رافع بن عميرة الطائي وقال: يا قوم وما الخيفة من هؤلاء العلوج؟ أما نصركم الله في مواطن كثيرة والنصر مقرون مع الصبر ولم تزل طائفتنا تلقى الجموع الكثيرة والجموع اليسيرة فاتبعوا سبيل المؤمنين وتضرعوا إلى رب العالمين وقولوا كما قال قوم طالوت عند لقائهم جالوت " ربنا أفرغ علينا صبراً وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين " ( البقرة: 250 ) . فلما سمع ضرار كلامهم وأنهم اشتروا الآخرة على الأولى كمن بهم عند بيت لهيا وأخفى أمره وجلس عاري الجسد بسراويله على فرس له عربي بغير سلاح وبيده قناة كاملة الطول وهو يوصي القوم.

قال الواقدي: هكذا حدثني تميم بن أوس عن جده عمرو بن دارم. قال: كنت لوم بيت لهيا ممن صحب ضرار بن الأزور رضي الله عنه وهو بهذه الصفة رغبة منه في الشهادة. فلما قارب العدو كان أول من برز وكبر ضرار بن الأزور قبل فأجابه المسلمون بتكبيرة واحدة رعبت منها قلوب المشركين وفاجئوهم بالجملة ونظروا إلى ضرار بن الأزور وهو في أول القوم وهو في حالته التي وصفناها فهالهم أمره، وكان وردان في المقدمة والأعلام والصلبان مشتبكة على رأسه. قال: فما طلب ضرار غيره لأنه علم أنه صاحبهم فحمل عليه غير مكترث به وطعن فارساً كان في يده العلم فتجندل من على فرسه قتيلاً، ثم إنه طعن آخر في الميمنة فأرداه وحمل يريد القلب، وكان قد عاين وردان والصليب على رأسه يحمله فارس من الروم والجواهر تلمع من أربع جوانبه فعارضه ضرار وطعن حامله طعنة عظيمة فخرج السنان يلمع من خاصرته. قال فسقط الصليب منكساً إلى الأرض. فلما نظر وردان إلى الصليب أيقن بالهلاك، وهم أن يترجل لأخذه أو يميل في ركابه ليأخذه فما وجد لذلك سبيلاً لما قد أحدق به وترتجل عليه قوم من المسلمين ليأخذوه وقد اشتغل كل عن نفسه ونظر ضرار إلى من ترجل لأخذ الصليب. فقال: معاشر المسلمين إن الصليب لي دونكم وأنا صاحبه فلا تطمعوا فإني إليه راجع إذا فرغت من كلب الروم. قال فسمع ذلك وردان وكان يعرف العربية فعطف من القلب يريد الهرب. فقالت البطارقة: إلى أين أيها السيد أتفر من الشيطان فما رأينا أدنى من منظره ولا أهول من مخبره، ونظر إليه ضرار وقد عطف راجعاً فعلم أنه قد عزم على الهرب فصاح بقومه ثم اقتحم في أثره ومد رمحه وهمز جواده فتصارخت به الروم وعطفت عليه المواكب من كل جانب فأنشد يقول:

الموت حق أين لي منه المفر

وجنة الفردوس خير المستقر

هذا قتالي فاشهدوا يا من حضر

كل هذا في رضا رب البشر

ثم اخترق القوم وحمل عليهم وحمل المسلمون في أثره فأحدقوا بهم من كل مكان، ونظروا إلى ضرار وقد قصده وردان صاحب حمص عندما علم أنه اخترق القوم فمد إليه رمحه وقد أحدقت به بطارقته وضرار يمانع عن نفسه يميناً وشمالاً فما طعن أحداً إلا أباده إلى أن قتل من القوم خلقاً كثيراً، وهو يصرخ بقومه: ويقول " إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص " ( الصف: 4 ) ، قال: وأكبت عليه جيوش الروم من كل جانب ومكان واشتعل الحرب بينهم ووصل همدان بن وردان إلى ضرار بن الأزور ورماه بسهم. فأصاب عضده الأيمن فوصل السهم إليه فأوهنه وأحس ضرار بالألم فحمل على همدان وصمصم عليه برمحه وطعنه. فأصاب بالطعنة فؤاده فوصل السنان إلى ظهره فجذب الرمح منه فلم يخرج، وإذا به قد اشتبك في عظم ظهره فخرج الرمح من غير سنان فطمعوا فيه وحملوا عليه وأخذوه أسيراً، فنظر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ضرار وهو أسير فعظم الأمر عليهم وقاتلوا قتالاً شديداً ليخلصوه فما وجدوا إلى ذلك سبيلاً وأرادوا الهرب. فقال رافع بن عميرة الطائي: يا أهل القران إلى أين تريدون؟ أما علمتم أن من ولى ظهره لعدوه فقد باء بغضب من الله، وإن الجنة لها أبواب لا تفتح إلا للمجاهدين، الصبر الصبر، الجنة الجنة، يا أهل الكتاب كروا على الكفار عباد الصلبان، وها أنا معكم في أوائلكم، فإن كان صاحبكم أسر أو قتل فإن الله حي لا يموت، وهو يراكم بعينه التي لا تنام، فرجعوا وحملوا معه..

وبعدها فك خالد أسره بمائة فارس ومعهم أخته خولة بنت الأزور التي قاتلت قتال الأبطال لفك اسر أخيها رضي الله عنه .

( فهل لنا أمثال هؤلاء القوم الذين تمسكوا بكتاب اله عز وجل قولاً وعملاً وتطبيقاً ، فأين الهمم وأين أصحاب الصدق في الميدان ؟!!! ).

معركة أجنادين : قال الواقدي: فلما أصبح الصباح صلى خالد بالناس ورتب أصحابه لأهبة الحرب، فبينما هم كذلك إذ خرج من القلب فارس وقال: يا معاشر العرب أريد أميركم ليخرج إلى صاحبنا وردان لننظر ما يتفقان عليه من أمر الجيشين وحقن الدماء بينهما. قال فخرج إليه خالد بن الوليد. فقال له الفارس: إن وردان يريد أن تنتظره حتى تتكلم معه. فقال خالد: السمع والطاعة ارجع وأخبره، فعند ذلك خرج وردان وقد تزين بقلادة جوهر وعلى رأسه تاج. فقال خالد عندما رآه: هذه غنيمة للمسلمين إن شاء الله تعالى ( تأملوا اليقين العجيب عند خالد رضي الله عنه ) . قال فلما نظر عدو الله إلى خالد ترجل عن جواده وكذلك خالد وجلس كلاهما، وقد جعل عدو الله سيفه على فخذه فقال له خالد: قل ما تشاء، واستعمل الصدق والزم طريق الحق، وأعلم أنك جالس بين يدي رجل لا يعرف الحيل. فقل: ما تريد. فقال وردان: يا خالد اذكر لي ما الذي تريدون وقرب الأمر بيني وبينكم، فإن كنت تطلب منا شيئاً فلا نبخل به عليك صدقة منا عليكم لأننا ليس عندنا أمة أضعف منكم، وقد علمنا أنكم كنتم في بلاد قحط وجوع تموتون جوعاً فاقنع منا بالقليل وارحل عنا. فلما سمع منه خالد هذا الكلام قال له: يا كلب الروم إن الله عز وجل أغنانا عن صدقاتكم وأموالكم وجعل أموالكم نتقاسمهما بيننا وأحل لنا نساءكم وأولادكم إلا أن تقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله، وإن أبيتم فالحرب بيننا وبينكم، أو الجزية عن يد وأنتم صاغرون، وبالله أقسم إن الحرب أشهى لنا من الصلح. وأما قولك يا عدو الله لم نكن أمة أضعف منا عندكم فأنتم عندنا بمنزلة الكلاب؟ وإن الواحد منا يلقي ألفاً منكم بعون الله تعالى وما هذا خطاب من يطلب الصلح، فإن كنت ترجو أن تصل إلي بانفرادي عن قومي وقومك فدونك وما تريد.

( هذا كلام من أعزه الله بالإسلام لا بمجرد الشعارات والجري وراء المناصب وزخارف الدنيا من أدعياء ودخلاء على القضية الفلسطينية في وقتنا الحاضر وما أكثرهم قللهم الله وأعز دينه بأمثال هؤلاء الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه ) .

قال: فلما سمع وردان مقالات خالد وثب من مكانه من غير أن يجرد سيفه وتشابكا وتقابضا وتعانقا. قال: فصاح عدو الله عندما وثق من خالد وقال لأصحابه: بادروا الآن الصليب قد مكنني من أمير العرب، فما استتم كلامه حتى بادر إليه الصحابة كأنهم عقبان يتقدمهم ضرار بن الأزور، وقد رموا النشاب عنهم وجردوا سيوفهم وضرار عاري الجسد بسراويله قابض على سيفه وهو يزأر كالأسد وأصحابه من ورائه فالتفت عدو الله ونظر إلى القوم وهم يتسابقون إليه وهو يظن أنهم قومه حتى أنهم وصلوا إليه ونظر في أوائلهم ضرار بن الأزور. فقال لخالد: سألتك بحق معبودك أن تقتلني أنت بيدك ولا تدع هذا الشيطان يقتلني. فقال خالد: هو قاتلك لا محالة فهز ضرار سيفه وقال: يا عدو الله أين خديعتك من خديعة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال خالد: اصبر يا ضرار حتى آمرك بقتله، ثم وصل إليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهزوا سيوفهم في وجهه ومرادهم أن يقتلوه ونظر عدو الله إلى ما دهمه فوقع إلى الأرض وهو يشير بإصبعه الأمان الأمان. فقال خالد: يا عدو الله لا نعطي الأمان إلا لأهل الأمان وأنت أظهرت لنا المكر والخديعة " والله خير الماكرين " ( آل عمران: 54 ) ، فلما سمع ضرار كلام خالد لم يمهله دون أن ضربه على عاتقه فخرج السيف يلمع من علائقه، ثم أخذ التاج من على رأسه. وقال: من سبق إلى شيء كان أولى به ولقد أدركته سيوف المجاهدين فقطعوه إرباً إرباً وتبادروا إلى سيفه فأخذوه، ثم إن خالداً قال لأصحابه: إني أريد أن تحملوا على الروم لأنهم مشتاقون إلى أصحابهم. قال فأخذوا رأس عدو الله وردان وتوجهوا نحو عسكر الروم. فلما وصل خالد الصفوف نادى: يا أعداء الله هذا رأس صاحبكم وردان.. أنا خالد بن الوليد أنا صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم إنه رمى الرأس وحمل عليهم وحمل المسلمون. فلما رأى الروم رأس وردان ولوا الأدبار وركنوا إلى الفرار، ولم يزل السيف يعمل فيهم من وقت الصباح إلى الغروب. قال عامر بن الطفيل الدوسي: كنت مع أبي عبيدة ونحن نتبع المنهزمين إلى طريق غزة إذ أشرف علينا خيل فظننا أنها نجدة من عند الملك هرقل فأخفنا على أنفسنا وإذا بالغبرة قد قربت منا، فإذا هي عسكر قد أرسلها أبو بكر الصديق، وما رأوا أحداً من المنهزمين إلا قتلوه ونهبوا جميع ما معه.

قال الواقدي: وكان الروم بأجنادين تسعين ألفاً فقتل منهم في ذلك اليوم خمسون ألفاً وتفرق من بقي منهم، فمنهم من انهزم إلى دمشق، ومنهم من انهزم إلى قيسارية وغنم المسلمون غنيمة لم يغنم مثلها وأخذوا منهم صلبان الذهب والفضة، فجمع خالد ذلك كله مع تاج وردان إلى وقت القسمة وقال خالد: لست أقسم عليكم شيئاً إلا بعد فتح دمشق إن شاء الله تعالى، وكانت الوقعة بأجنادين لليلة ست خلت من جمادى الأول سنة ثلاث عشرة من الهجرة النبوية، وذلك قبل وفاة أبي بكر بثلاث وعشرين ليلة، ثم إن خالداً رضي الله عنه كتب كتاباً إلى أبي بكر يقول فيه: بسم الله الرحمن الرحيم من خالد بن الوليد المخزومي إلى خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، سلام عليك. أما بعد فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو، وأصلي على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وأزيد حمداً وشكراً على المسلمين ودماراً على المتكبرين المشركين وانصداع بيعتهم، وإنا لقينا جموعهم بأجنادين وقد رفعوا صلبانهم وتقاسموا بدينهم أن لا يفروا ولا ينهزموا... فخرجنا إليهم واستعنا بالله عز وجل متوكلين على الله خالقنا فرزقنا الله الصبر والنصر، وكتب الله على أعدائنا القهر فقاتلناهم في كل واد وسبب، وجملة من أحصيناهم ممن قتل من المشركين خمسون ألفاً وقتل من المسلمين في اليوم الأول والثاني أربعمائة وخمسون رجلاً ختم الله لهم بالشهادة منهم عشرون رجلاً من الأنصار ومن أهل مكة ثلاثون رجلاً ومن حمير عشرون والباقي من أخلاط الناس، ويوم كتبت لك الكتاب كان يوم الخميس لليلتين خلتا من جمادى الآخر، ونحن راجعون إلى دمشق إن شاء الله تعالى فادع لنا بالنصر والسلام عليك وعلى جميع المسلمين ورحمة الله وبركاته، وطوى الكتاب وسلمه إلى عبد الرحمن بن حميد وأمره بالمسير إلى المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة وأتم السلام، وسار خالد بالمسلمين طالب دمشق. (فتوح الشام ).

فلله در سيف الله المسلول على هذه الكلمات التي ينبغي أن تكتب من ذهب وتكون أصلاً ينطلق منها جميع القادة والفصائل الذين يقاتلون اليهود ، فهي كلمات خرجت من قائد رباني عرف الله وخضع لأمره فكان النصر والثبات ، أما الآن ففي غالب الذين يدعون القتال والجهاد هم خاضعون إلى لوائح وأنظمة من صنعهم وسياسات مبتكرة بعيداً عن شرع الله عز وجل وتأييده ، فلذلك نرى النكسات والانهزام والتراجع يزداد يوما بعد يوم ، لعدم تمسكهم بأسباب النصر والتمكين الشرعية التي لو تمسكوا بها لما خذلهم الله عز وجل ، ولنا في أسلافنا وقادتنا ومجاهدينا خير قدوات نتأسى بهم .

 

وليد ملحم

11-شعبان-1429هـ

12/8/2008م


شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق


التعليقات 0