4/30/2017


هل باتت غزة على موعد مع الانفصال؟





هل باتت غزة على موعد مع الانفصال؟




بقلم: أحمد فايق دلول


المراقب للمشهد السياسي الفلسطيني يدرك أنَّ الأمور تزداد تعقيداً يوماً بعد يوم، ولا يُتوقع انفراجة قريبة أو إنهاء الانقسام وإنجاز المصالحة، بل على العكس تماماً؛ ثمَّة من يعتقد أنَّ قطاع غزة بات على موعد قريب من الانفصال عن الأراضي الفلسطينية التي تعتبر محتلة أو خاضعة للاحتلال بحكم القانون الدولي، علماً بأن صلاحيات السلطة الفلسطينية لا تُطبَّق إلى في نطاق جغرافي لا يتعدَّى ال5% من أراضي فلسطين الانتدابية، موزعة على 1.3% هي قطاع غزة، و 1.1% في الضفة الغربية، في حين يخضع الباقي لسيادة سلطات الاحتلال الإسرائيلي.


القيادة والخطوات التصعيدية ضد غزة

وتهدد السلطة الفلسطينية قطاع غزة بإجراءات وخطوات عقابية غير مسبقة، وليس من السهل التكهُّن بها، لكن بعض المراقبين يقولون بأنها تتمحور حول مزيد من خصومات رواتب الموظفين، ووقف المخصصات المالية لكل الفئات الأخرى كالجرحى وأسر الشهداء والأُسر المعدومة التي تتلقى رواتب من وزارة الشئون الاجتماعية، ووقف دعم شركة توليد الكهرباء الرئيسية في غزة، ووقف التعاون مع شركات البريد والشحن والتخليص، ووقف العمل في معبر بيت حانون (إيرز)، وسحب تراخيص القطاع المصرفي ووقف الحوالات المالية من وإلى غزة، وليس أخيراً؛ إعلان قطاع غزة إقليم متمرد (أو إقليم معادي enemy entity وفق الرؤية الصهيونية).

خلال الشهر الجاري قامت السلطة الفلسطينية بتخفيض رواتب موظفيها بنسبة 30%، وقامت من قبل بوقف العلاوات والبدلات عن أغلب موظفيها العاملين في قطاع غزة، وبالتالي؛ وصلت نسبة الخصم 50% من رواتب شريحة كبيرة من الموظفين. كما قامت بوقف مخصصات 680 أسرة فقيرة تعتاش على المساعدات الإنسانية والشئون الاجتماعية، وقبلها قطعت رواتب مئات الموظفين بحجة الولاء للنائب الفتحاوي محمد دحلان. ومن المتوقع أن تتقلص رواتب الموظفين حتى تصل إلى صفر، وهذا رأي يستند على تصريحات قيادات حركة فتح في رام الله.

ممارسات السلطة الفلسطينية تجاه قطاع غزة تؤكد أنَّها مقبلة على فصل القطاع عن بقية الأراضي الفلسطينية، وهذا الأمر غير مستوعَب البتة، لذلك تحاول السلطة ممارسة الضغط على حركة حماس من خلال الإجراءات العقابية كما ذكرنا أعلاه من ناحية، وتقديم مبادرات غير مقبولة بالنسبة لحركة حماس، وعلى سبيل المثال لا الحصر؛ طلبت السلطة الفلسطينية تسليم قطاع غزة لحكومة الوحدة الوطنية التي تلتزم ببرنامج منظمة التحرير التي اعترفت بإسرائيل، وهذه الحكومة ستتعامل مع ملف موظفي غزة بالشكل الذي تراه مناسباً، ولم تنفك السلطة من المطالبة بوحدة السلاح والإشراف عليه.

أما تصريحات قيادة حركة فتح فهي الأخرى تؤكد توجه القيادة منحى الانفصال، حيث ذكر أكثر من مسئول فتحاوي بأنَّ على حماس أن تسلِّم قطاع غزة كاملاً أو تتحمل إدارته كاملاً، لا أن تتعامل مع السلطة الفلسطينية على أنَّها مجرَّد صرَّاف آلي. وهذا التصريح فيه ما فيه من تضليل، والحقيقة أنَّ السلطة الفلسطينية لا تصرف على قطاع غزة من موازنتها.

كان من المقرر أن تصرف السلطة ما نسبته 45% من موازنتها على السلطة الفلسطينية، لكن في فترةٍ ما تبيَّن أنَّـها تصرف ما لا يزيد عن 15% من موازنتها، ثمَّ تبيَّن أنَّها تجني نحو 115 مليون دولار شهرياً من ضرائب المقاصَّة المفروضة على قطاع غزة، وتصرف منها نحو 53.5 مليون دولار رواتب، ونحو 14.5 مليون دولار أخرى كمصروفات للصحة والتعليم والشئون الاجتماعية، والباقي (نحو 47 مليون دولار) يذهب لخزينتها، وهذا ما يقول به خبراء الاقتصاد في قطاع غزة.

عندما تحسَّنت العلاقات الحمساوية المصرية أواخر 2016 أوائل 2017؛ كانت السلطة الفلسطينية أكثر الممتعضين والمستائين من هذه الحالة، وأكثر من وفد فتحاوي ذهب لمصر محاولاً توتير العلاقات بينهما، لا داعي للخوض في الأسباب؛ لكن العامل الاقتصادي كان الأبرز، حيث أنَّ تحسُّـن العلاقات بين الجانبين وتفعيل عمليات التبادل التجاري بينهما سيحرم السلطة الفلسطينية من 1.4 مليار دولار كضرائب مقاصة سنوية جرَّاء تبادل تجاري قدره نحو 7 مليار دولار، لأنَّ التبادل التجاري مع دولة الاحتلال سيتحوَّل إلى مصر.

ولعله من المفيد الإشارة إلى ما ذكره الكاتب الصهيوني شلومي إلدار في مقال "مساكين سكان القطاع .. بعد عقد من الزمان؛ أبو مازن يقرر الانفصال عن غزة"، حيث يقول الكاتب نقلاً عن مصدر فتحاوي رفيع المستوى إن الرئيس عباس استخدم اللجنة الإدارية التي أسسها قائد حماس الجديد يحيى السنوار لكي يبرر خطوات خطط لها منذ زمن بعيد. بينما اتخذ قرارًا بالانفصال عن غزة قبل أكثر من عام، بعد أن وصل إلى الاستنتاج بأنَّ حماس لن تتنازل عن حكم غزة.

ولا نقصد بالانفصال سلخ غزة من الأراضي الفلسطينية، بل يمكن إدامة وشرعنة الانقسام من خلال إقامة كيانيْن سياسيين فلسطينييْن منفصليْن جغرافياً بعلاقات محدودة علاقة بينهما، مثل غزة ستان بإدارة حركة حماس، ورام الله ستان بإدارة حركة فتح.


الانفصال بين الماضي والحاضر:

لم تكن الممارسات التي اتخذتها السلطة الفلسطينية خلال فترة حكم حماس لقطاع غزة وليدة اللحظة، بل؛ في اليوم الأول لفوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية الثانية في يناير 2006م؛ بدأ قطاع غزة يشهد حالات مختلفة من الفلتان الأمني المتعمد من بعض عناصر الأجهزة الشُرطية والأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية آنذاك، حيث لم يكن من المتوقع أن تفوز حماس في الانتخابات، خاصة في ظل استطلاعات الرأي التي تنبأت بفوز حركة فتح، وأهمها استطلاع رأي المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في رام الله، وهو استطلاع الرأي العام الذي حمل رقم (19) بتاريخ 6-8 كانون الأول (ديسمبر) 2005م.

بعدها؛ وجدت حركة حماس نفسها مضطرة لحسم الاضطرابات أو الفوضى والفتان ألأمني في قطاع غزة، وبعيداً عن تبرير هذا الأمر؛ فقد تمكَّنت من السيطرة عليه دون كثيرٍ من الجهد والعناء، وهذا كان مثار جدل وتساؤل كبير؛ كيف لحركة بحجم حماس وجناحها العسكري وبأدوات قتالية بسيطة تتمكن من السيطرة على مقرَّات الأجهزة الأمنية والشرطية؟ وأين وكيف ولماذا اختفت قدرات الأجهزة الشرطية؟ وماذا بخصوص عشرات آلاف العناصر العاملة في تلك الأجهزة؟

للوهلة الأولى يعتقد البعض أن هشاشة الأجهزة الأمنية والشرطية من ناحية، وقوة حماس عسكرياً وعقائدياً من ناحية أخرى هي ما سهَّلت عملية السيطرة على قطاع غزة، لكن الحقيقة مختلفة تماماً حتى وإن كان هذا الأمر جزء بسيط منها.

تحدَّث بعض عناصر الأجهزة الأمنية التي كانت تعمل في قطاع غزة عن عددٍ كبيرٍ من الاجتماعات التي كان يعقدها قادة الأجهزة الأمنية في قطاع غزة في الفترة (مارس – يوليو 2007م)، والبعض منهم قال صراحةً بأنَّ سيطرة حماس على قطاع غزة لم تكن بسبب قوة الحركة، بل لأنَّ القيادة الفلسطينية سياسيةً وعسكريةً أرادت سيطرة حماس على قطاع غزة. وكل المؤشرات كانت تقول بأنَّ السيطرة على قطاع غزة هي كمين نصبه الرئيس محمود عباس لقطاع غزة، ولكن لماذا؟ يُقال بأنَّ الرئيس عباس أراد توريط حركة حماس في حكم قطاع غزة، وكان يعتقد في حينه أنَّ حكم قطاع غزة بواسطة حماس هو أمر مرهقٌ ومجهدٌ للغاية، وأنَّ حماس لا تتمكن من ذلك، وكان البعض في حينه يقول (بطالة 6 أشهر) في إشارة منهم إلى أنّض حكم حماس لن يتجاوز ال6 أشهر، ثم ترجع حماس إلى بيت الطاعة الذي يقوده الرئيس عباس.

لم ترجع حماس لبيت الطاعة كما كانت ترنو القيادة، واستمرت في الحكم حتى تاريخه، وفي تلك الفترة تصدَّت لعدوان صهيوني (2008-2009)، لم تسلِّم مقاليد الحكمة للسلطة الفلسطينية علماً بأنَّ قيادات من السلطة الفلسطينية كانوا يقيمون بالقرب من قطاع غزة تحضيراً للعودة إليه بعد القضاء على حكم حماس، وبعضهم كان يقول في حينه "سنعود لغزة ولو على ظهر دبابة"، ثمَّ تصدَّت لعدوان 2012م ولم تتنازل كذلك للسلطة الفلسطينية عن الحكم، وأخيراً تصدَّت لعدوان 2014م رغم أنه جاء بعد توقيع اتفاق الشاطئ (اتفاق المصالحة في أبريل 2014م) بشهرين تقريباً. وخلال الفترة المذكورة؛ لم يتوقف الحصار المفروض على غزة والذي يشارك الرئيس عباس في تنفيذه.

ومن علامات الانفصال عن غزة في تلك الفترة؛ تنصل السلطة من الدفع مقابل تزويد محطة الطاقة في غزة بالوقود واندلاع أزمة الكهرباء. وهذه المسألة كانت في عهد رئيس وزراء حكومة رام الله سلام فيَّاض سنة 2009م.

وأخيراً؛ لا يبدو في الأفق بوادر لإنهاء الإنقسام والانفصال، بل المؤشرات كلها والتصريحات والإجراءات في الميدان تؤكد أن مسألة الانفصال أصبحت أمراً شبه محسوم بالنسبة للقيادة الفلسطينية، ولم يبقَ إلا الانتظار الإعلان الرسمي عن هذا الأمر، خاصة في ظل الدعم الإقليمي للرئيس عباس من ناحية، وتنفيذاً للمطالب الأمريكية من ناحية أخرى.


شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق


التعليقات 0