3/8/2017


هل لليهود حق تاريخي في القدس؟






هل لليهود حق تاريخي في القدس؟

كتبه/ بلال أحمد عبده - مصر

لابد لنا أن نستهل حديثنا بإثبات هذا السؤال والبحث له عن إجابة؛ فقد صَدّع أدمغتنا اليهود، وأكثروا من كلامهم: بأنهم أصحاب الأرض، وأنهم أول من عَمَّروها، وأنهم أصحاب حضارتها، وأنها أرض آبائهم وأجدادهم!

- بداية ماذا نعني باليهود هنا؟ هل المقصود يهود بني إسرائيل أحفاد يعقوب (إسرائيل)؟ أم يهود زماننا هذا؟ وهل هناك فرق بينهم؟ إنها أسئلة تطرح نفسها ولا بد من الإجابة عليها...

- إن كنا نقصد بسؤالنا هذا يهود بني إسرائيل، الذين سكنوا القدس وفلسطين قديما، فيمكننا أن نبحث ونناقش هذا السؤال المشروع، أما إن كنا نقصد بهذا السؤال يهود زماننا الذين يحتلون فلسطين، فعندها نتردد في إكمال البحث في هذه المسألة والرد عليها! فهناك فرق بين يهود القرون القديمة، وبين يهود اليوم!

- بكل بساطة إذا نظرنا إلى يهود اليوم فسنجد فرقاً كبيرا بينهم وبين بني إسرائيل الذين استوطنوا القدس قديما، ويدّعون أنها أرض أجدادهم، ويريدون إرثهم؛ فسنجد أنهم ليسوا من نسلهم ولا أحفادهم إلا القليل جداً منهم، فإن من يحتفظ اليوم من اليهود بسمات وخصائص بني إسرائيل من عصر التوراة قلة ضئيلة، فيصعب ومن الندرة أن تجد في زماننا من أصوله يهودية متصلة إلى بني إسرائيل، فإن كثيراً من اليهود المعروفين وجد في أنسابهم دماء مسيحية، وآخرون وثنية

- وفي دراسة للأنثربولوجي البريطاني الشهير (جيمس فنتون) على يهود إسرائيل توصَّل إلى أنه 95% من اليهود ليسوا من بني إسرائيل التوراة، وإنما هم أجانب متحولون أو مختلطون، وقد أثبت ذلك أيضاً الأنثربولوجي المخضرم (فيلكس فون لوشان) أن من يهودنا المحدثين نحو 50% عراض الرؤوس، 11% ذوو بشرة بيضاء، ومالا يزيد عن 5% يتفقون مع ما عرفنا من النمط السامي القديم... (انظر اليهود أنثروبولوجيا ص171-172)

- و مما يثبت ذلك أيضاً أن اليهود بعد خروجهم الأخير وطردهم على يد الرومان خرجوا نحو 40 ألف يهوديًّا، ثم ذكروا أنهم أصبحوا ما بين 4-7 مليون يهودي في أقل من 500 سنة من طردهم، أي أنهم ضاعفوا عددهم مابين 100-180 مرة، وهذا معدل فلكي لا يمكن أن يكون تم بتزايد طبيعي، بل كان سببه دخول قبائل وشعوب ليست من نسل يعقوب وذريته في اليهودية، وتم ذلك إما عن طريق التبشير أو الزواج ممن ليسوا على دينهم فينسب بعد ذلك الولد لأبيه اليهودي إن كانت أمه غير يهودية أو ينسب لأمه اليهودية إن كان أبوه ليس بيهودي، وقد يتم ذلك أحياناً عن طريق إغواء الفقراء وأصحاب النفوس الضعيفة بالمال من أجل تغيير معتقداتهم، وقد ثبت حدوث أمثلة لهذا التحول تاريخياً؛ مثل: اليهود الخَزَر، واليهود الفلاشا، واليهود السود من التاميل، وغيرهم ممن ليس لهم أصول يهودية...  (انظر: ليس لليهود حق تاريخي في فلسطين ص 55-62)

- و على ما ذكرنا، فلا يصح أن يطالب أقوام بإرث آباء ليسوا آباءهم، بل هم يهود الشتات وحثالة العالم؛ فقد شتتهم الغزو الفرعوني، ثم الآشوري، ثم الآرمي والبابلي، ثم الإغريقي، ثم البطالسة، ثم الفينيقيون، ثم اليونانيون، ثم الرومان، ومع هذا لو سلَّمنا جدلاً أن اليهود في زماننا هذا هم من نسل يعقوب وأنهم نسل بني إسرائيل القُدامى أصحاب التوراة، أو أن هذه النقطة السابقة لا تنفي حقهم التاريخي في الأرض، فهل معنى هذا أن لهم حق تاريخي في القدس، وأنهم هم السكان الأصليون لهذه البلاد...؟!

-فنقول لهم: إن التاريخ يفضح كذبكم وزعمكم هذا، فلا شك أن القدس تاريخها قديم جداً، حالها كحال البيت العتيق بمكة، فقد وجدت بعض الاكتشافات في جبل القفرة جنوبي الناصرة، وسفح الرمل قرب طبريا، يعود تاريخها بين عامي (7500-3100 ق.م)، ومن أهم أحداثها أيضاً تأسيس مدينة أريحا التي يعتبرها المؤرخون بأقدم بلدة في العالم (انظر: فلسطين بالخرائط والوثائق ص49)

- ومع هذا فإننا لا نملك تاريخا موثقاً مدوناً عن هذه الحقبة التاريخية، وأقدم ما دُوِّن من تاريخ بحق بيت المقدس فقد كان قبل الميلاد بـ3500 سنة، وهو تاريخ (اليبوسيون) وهم بطن من بطون العرب الكنعانيين الذين هاجروا إلى فلسطين، ومن أقدم ملوك اليبوسيين في القدس كان (مليكي صادق) وهو الذي عقد صداقة مع إبراهيم الخليل عليه السلام الذي هاجر إلى فلسطين و استوطن بها، ومليكي صادق كان من الموحدين، وكان يعبد الله هناك، وكان يقري الضيوف، ويباركهم باسم الرب تعالى.

- كما غزاها القبائل الكريتية (من جزيرة كريت) وهم الذين ينسب لهم كلمة فلسطين (أي المهاجر أو الغرباء) حوالي (1148ق.م) وقد اندمجوا مع الكنعانيين حتى أصبحت ثقافتهم واحدة.

- بعد مدة من الزمن استطاع بنو إسرائيل هزيمة اليبوسيين، ثم أسسوا مملكة إسرائيل بقيادة داود عليه السلام، واتخذوا من القدس (أورشليم) عاصمة لها (1013-973 ق.م). (للتوسع في تاريخ القدس قبل الإسلام؛ انظر: واقدساه للعفاني ج1  ص47-79 )

- ومما سبق يتضح لنا أن العرب الكنعانيين هم أول من سكن القدس وفلسطين قبل خلق بني إسرائيل وولادتهم ووجودهم في الدنيا، فقد ذكرنا أن إبراهيم هاجر لفلسطين وكانت بينه وبين ملكها صداقة، وبنو إسرائيل هم أحفاد يعقوب، ويعقوب حفيد إبراهيم، فبأي عقل وبأي منطق يزعمون أنهم أصحاب الأرض؟ كما أن القبائل الكريتية التي ينسب لها الفلسطينيون الآن قد وصلت إلى هناك قبل يهود بني إسرائيل، فالحق التاريخي الأصيل يعود لليبوسيين الكنعانيين العرب. 

- وقد يدعي اليهود أحيانا أنهم هم أول من أسسوا مجدًا وحضارة وعظمة القدس وفلسطين، وأنهم عَمَّروها، ولكن التاريخ لا يرحم الكاذبين، فقد كان الكنعانيون أول من أسسوا وشيدوا حضارة القدس وفلسطين والحفريات خير شاهد على ذلك، وقد أنشأ الكنعانيون مدناً كثيرة منها أسدود وعكا وغزة، وقد بنوا مدينة القدس، واهتموا بها، بل نقول لليهود: أنتم لصوص الحضارة. يقول سليم حسن في موسوعة مصر القديمة: "وقد بقي العبرانيون هناك مدة طويلة، وقد أخذوا ثقافتهم عن الكنعانيين..." (انظر: موسوعة مصر القديمة ج9، ص492)

- بقي أن أختم هذا العنصر بالحديث عن هيكلهم المزعوم:

- الهيكل هو معبد لليهود كان قد بدأ بناءه داوود عليه السلام بالقدس، ومات قبل أن يكمله، وأكمله من بعده ابنه سليمان، وقد أكثر من زخرفته وتجميله حتى صار في أبهى حُلة، والصحيح المثبت أن الهيكل لم يُبْنَ على جبل قبة الصخرة الذي به مسجد قبة الصخرة حالياً، ولا دليل أيضاً على أن الحرم الإسلامي مبني فوق الهيكل، بل أثبتت بعض الدراسات بطلان هذا الأمر (انظر: واقدساه ج1 ص59-62)

- ثم حدث أن زحف بختنصر البابلي إلى القدس ودمَّرها ودمَّر هيكلها وجعله أنقاضاً وسبى اليهود وطردهم من القدس، وهذا يسمى السبي الأول الذي طُردوا فيه من القدس.

- ثم بعد ما يقرب من 70 عاما من طردهم تمكن اليهود من العودة إلى القدس وذلك بعد معاونتهم ملك الفرس (كورش) في الحرب معه والاستيلاء على بابل سنة (539 ق.م)؛ فكافأهم بالعودة للقدس، فعادوا وسعوا في إعادة بناء الهيكل مرة أخرى، وأعادوا بناءه مرة أخرى لكن ليس بجماله السابق.

- ثم تتابعت الحروب والاحتلالات للقدس؛ فمرة اليونانيين على يد الإسكندر، ومرة أخرى ملك سوريا، حتى خضعت القدس لحكم الرومان سنة (66 ق.م)، وأكثر اليهود من افتعال وإحداث المشاكل مع الرومان، مما جعل الإمبراطور الروماني يأمر بالقضاء عليهم وسبيهم وطردهم من القدس وفلسطين، فتم ذلك بالفعل وتم تدمير الهيكل وتم قتل الكثير من اليهود وسبيهم وطردهم منها عام (70 م) ولم يعودوا لها مرة أخرى حتى عام (1948م).

- مما سبق يتضح لنا بطلان مزاعم اليهود بأنهم أصحاب الأرض، وأنها أرض آبائهم وأجدادهم، وأنهم أصحاب حضارتها، وغيرها من الكثير من الدعاوى الباطلة، فهم ليسوا بأصحاب الحق فهذا ليس بإرثهم، ولا اليهود أول من سكنوها وحكموها، ولم يكونوا أصحاب حضارتها الأولى.


شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق


التعليقات 0