7/18/2020


عَصر تمجيد اليهود


 



عَصر تمجيد اليهود

ظَهر علينا مؤخرًا طرحٌ جديدٌ بثوب ممزق، لم تَعهده الأمة في عصرها الحاضر مثل تلك الأقوال والتصريحات بل المقالات والندوات يقف المسلم مذهولاً من سُوء ما يرى ويقرأ.

هم مسلمون -وبعضهم يُوصف بالعلم-  ولكنهم من أجل الدفاع عن اليهود ووجودهم في أرض فلسطين، يستدلون بآيات من كتاب الله تعالى، وإن دَعت الحاجة بنصوص من التوراة المحرفة، فالتاريخ المعاصر عندهم هو ما كتبه اليهود والصهاينة فهم أصحاب الرواية التي تصدق، أما التاريخ العربي والإسلامي للأحداث المعاصرة، والرواية العربية فمشكوك فيها!!

ومن أجل اليهود توسعت دائرة عداءهم ليوجهوا سِهامهم لكل من دافع عن حقوق الفلسطينيين، أو طالب بإرجاع الأرض إلى أهلها، ولا مانع لديهم أن يوجهوا سهامهم أيضًا لمن يخالفهم في تنظيرهم ومقالاتهم!!

لم يتركوا شبهةً وأسطورةً من أساطير اليهود إلا حَملوها وأشاعوها كما يُشيعها اليهود؛ ينتقمون من أمتنا بدعم أعداءها، ويبررون ممارسات اليهود كما يبررها المتحدثون الرسميون للكيان الغاصب، ويُثنون على كل ما في الكيان اليهودي بمؤسساته وممارساته!!

وصدق فيهم قوله تعالى: (إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ)[آل عمران:120].

لم يبقوا ثناءً ولا ودفاعًا إلا قالوه في الكيان اليهودي؛ مدحوا قادته ودستوره وديمقراطيته وعدله وإنصافه، وأعطوه الحق في إقامة دولته على أرض فلسطين، والحق في الاحتفال بقيام كيانه، وأن مَن يُقاتلهم ويُعاديهم هو إرهابي ظالم؛ وتحدوا الأمة الإسلامية بأكملها، فقالوا :"إن هذا الكيان باقٍ لأنه وجد ليبقى"؛ وبرروا لقادة اليهود كل ممارساتهم بدءاً من تهويد القدس وهدم أجزاء من المسجد الأقصى، وإقامة الجدار العازل، وقتل النساء والأطفال، والاجتياحات وهدم المنازل على اعتبار أن ما يمارسه اليهود هو دفاع عن النفس وحفاظًا لدولتهم ومواطنيهم!! وأنكروا المجازر التي اقترفتها عصابات اليهود!! ومجدوا ذكرى المذبحة النازية والتي يطلقون عليها مسمى "الهولوكوست"، واعترضوا على تسمية ما حدث في 1948م بالنكبة، ويروجون كذلك للمصطلحات اليهودية ليطمسوا المسميات والمصطلحات الأصيلة التي طالما حافظت عليها الأمة.

ولم يكتفوا بذلك بل أرادوا تعميم "السلام"، وذلك بأن نـحسن التعامل مع اليهود مهما تجبروا أو تكبروا أو مارسوا أو ساسوا!! لأنهم "الشعب المختار" الذي ينبغي مصادقته مهما كان!! وطالبونا أن نبتعد عن تخوفنا من اليهود، ومن هواجس التآمر، ومن وسواس الخيانة، واتهامات العمالة!!

كانت كتابات هؤلاء في السابق أكثر تورية وتقية؛ لأن الأمة الإسلامية لم تكن بهذا الانكسار والضعف كما عليه الآن، فصوت هؤلاء وظهورهم يخفت حين تكون الأمة في قوتها ومكانتها التي كانت عليها، فأصواتهم مرهونة بضعف الأمة وتكالب أعداءها عليها!!

وتطاول بعضهم على القرآن بمطالبته حذف الآيات التي تعرضت لليهود والنصارى؛ وعادوا قضية فلسطين بجميع حيثياتها، وأعطوا لليهود حقوق في أرضنا ومقدساتنا، حتى مصطلح (النكبة) اعترضوا عليه، ويحاربون أي سلاح يُرفع بوجه اليهود، وأي مقاومة حتى لو لم تكن مسلحة، لا يريدون قول "لا" لليهود!!

ويبررون إسقاط حق العودة؛ لأن رجوعهم إلى أرضهم سيربك "إسرائيل"!! وكذلك السلطة الفلسطينية!! وكتب أحدهم بأن العودة سترفع أسعار الأراضي والعقارات إلى درجة لا يقدر الفلسطيني على العيش بأكثر من مائة سنتمتر مربع !!

وتحت مبرر أن القضية الفلسطينية طالما استغلت من الإسلاميين والقوميين لتأجيج المشاعر الشعبية، يدعو هؤلاء الشعوب العربية للاستيقاظ من رقادهم ليمدوا أيدي السلام إلى إسرائيل التي باتت تمثل واقعًا يجب القبول به!!

وجعلوا تبعًا لذلك أن صراعنا مع الكيان اليهودي صراع مرفوض، وليس من باب المصالح والمفاسد أو لأسباب سياسية؛ فقالوا: "لا بد أن نقبل اليهود كما هم ونقبل كيانهم على أرض فلسطين كما هو لأنهم رمز الحداثة والرقي والتجديد والعقلانية"!! وأوغلوا في تنظيرهم حتى قالوا بضرورة إعادة صياغة التاريخ المعاصر وسرد أحداث نكبة فلسطين ونكستها بطريقة مغايرة؛ لأنهما حدثا بسبب أننا لم نستطع أن نتعامل مع حداثة وتطور الكيان اليهودي !!

وقالوا: لابد أن نعمل لتغيير ثقافتنا العدوانية، وبناء ثقافة بديلة وهي ثقافة السلام!! لأن الخلل حسب وجهة نظرهم يكمن في الثقافة الإسلامية التي يجب أن تتغير!! ولا تتغير إلا بفتح النوافذ والأبواب لهذا لمحتل وهدم والثقافة وقبول المستعمر بكل ما عنده!!

خلافنا مع أفكار من نوع آخر تعمل بمنهجية من أجل فتح الأبواب للمحتل، وتمهد الطريق لهيمنته وسيطرته. يدعون في الظاهر أنهم أصحاب رؤية حديثة تجلد الذات ، وتكشف مواطن الضعف فينا، وتضع الحلول المناسبة؛ ولكنها في الواقع تذم كل ما عندنا، وتدمر ثوابتنا للانحناء أمام المستعمر!!

نريد أن نكشف زيف هؤلاء، وتوجهاتهم، وما يكتبون وينظّرون، فلابد من مواجهة هذا الخطر، ومعرفة حقيقته وأبعاده، ومقاومته مقاومة شاملة، لأنه عدوان ممنهجٌ على الأمة أرضًا وعقيدتًا وتاريخًا ومستقبلاً... ولا بد أن توضح حقيقة هؤلاء  لكي تكشف الأمور بأن هذا موقف فئة قليلة لا تعبر عن موقف شعوب طالما قدمت لهذه القضية ما تستطيع وما زالت بعطائها متى سنحت لها الفرص؛ وتعرية فكرهم بمتابعة كتاباتهم، وفضح أهدافهم، وكشف حيلهم ومكرهم، وتوعية الأمة بخطورتهم، وكشف انتماءات وأبعاد كتاباتهم وما وراءها ؛ والرد على تلك أقوالهم وكتاباتهم ، ودحض شبهاتهم وأكاذيبهم، ونشر كل ما يثبت حق المسلمين في فلسطين وحقوق أهلها الصامدين؛ مع التركيز دائمًا على ثوابتنا الشرعية والحقوقية.

كلمة العدد – مجلة بيت المقدس للدراسات-العدد 27

 


شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق


التعليقات 0