5/4/2020


أفواه وأقلام مفسدة في الأرض !!


 

أفواه وأقلام مفسدة في الأرض !!

عيسى القدومي

       كثرت في الآونة الأخيرة المقاطع التي تنشر أقوال من لا خلاق لهم وتتراشق التخوين والاتهامات والأكاذيب حول قضية فلسطين والمسجد الأقصى -  وأنا أقصد في مقالي هذا جميع الأطراف - حيث جاء ذلك نتيجة لما دأبت عليه مؤسسات الدراسات الصهيونية في نشر الشبهات والأكاذيب والتحريش بين الشعوب العربية، من خلال التشكيك في الثوابت، وإثارة الخلافات، واختلاق الأسباب التي تشعل الاتهامات والتخوين والتضليل .

      ما نعيشه اليوم هو نتيجة للمكر الصهيوني الذي أراد للشعوب العربية أن تشتغل ببعضها ، وأن تفقد مصداقيتها ، وأن تشكك في ثوابتها بنفسها ؛ فقد جنّد اليهود أناسًا من بني جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا ويتسمون بأسماء المسلمين وعملهم الدؤوب النخر في جسد الأمة، وتبني أدوات أعداء الأمة لضرب امتنا من الداخل ، هذه الطائفة - ولله الحمد والمنة - فئة قليلة ولكنها دعمت لتكتب وتتكلم فكشفوا عن أنيابهم وأظهروا عداءهم .

     ولكنها طائفة كثرت أدبياتها ومقالاتها في الصحف والمجلات وانتشرت في الفضائيات والإنترنت ، ونحن أمام فئة من الناس لا مثيل لها في كل مراحل التاريخ فهؤلاء أناس تنكروا لأمتهم وأوطانهم، ووقفوا مع أعداء الأمة المحتلون لأرضهم ومقدساتهم .

      فهؤلاء ليسوا يهودًا ولكن مع اليهود !! وعندهم اليهود أعداء الإسلام هم الشرفاء !! ومع ذلك نحن على يقين أن صوت هؤلاء وظهورهم يختفي حين تكون الأمة في قوتها ومكانتها التي كانت عليها، وظهورهم مرهون بضعف الأمة وتكالب أعداءها عليها، وهذا هو حال المنافقون منذ عهد النبوة الى قيام الساعة. 

     نعيش أجواء حرب بين طرفين : طرف يشكك بالثوابت ويشيع بأن المسجد الأقصى ليس هو مسجد القدس، وأنه مسجد في الطائف، وأن مسرى النبي صلى الله عليه وسلم كان إليه ، وأن ليس للمسجد الأقصى في القدس أي فضل عن بقية المساجد، وأن المسلمين خدعوا بإعطاء القداسة لمسجد القدس على مرِّ العهود والأزمان !! ويخوِّن الشعب الفلسطيني بأنه باع أرضه ومقدساته .

       وفريق آخر يرد بتخوين وتكفير وسب ولعن للحكام والمحكومين، ويدعي العمالة، بل يطالب بأن الحرمين الشريفين محتلين كما المسجد الأقصى محتل، وأنه ينبغي بالبدء بتحرير الحرمين !!!

       أيُّ جهل هذا نعيشه، والمطلع على المواقع في الإعلام الحديث التي تديرها رسميًّا مؤسسات الاحتلال الصهيوني تأجج الخلاف وتتقصد نشر ما يكون مادة للتنازع بين الشعوب؛ فاليهود مُصرّون على بث الشبهات والأكاذيب، ويتحدون بذلك العالم الإسلامي -للأسف-؛ والذي لا ينهض للتصدي، حيث نجح إعلامهم بأكاذيبه في تشويه الحقائق التاريخية والوقائع السياسية، واستطاع أن يخفي إجرامه ومذابحه التي ارتكبتها عصاباته، فكان سرد الأحداث صنيعهم؛ حتى صدقهم الغرب وأيدهم، وصدقهم كذلك بعض المخدوعين من أبناء جلدتنا وإن تسمّى بأسماء المسلمين!!

لهذا شاعت الكثير من الأكاذيب التي أشاعها اليهود،  وقبلهم البريطانيون الممهدون للوجود اليهودي على أرض فلسطين، وعن مصدر تلك الأكاذيب – منذ نشأتها - صرَّح الشيخ «محمد أمين الحسيني»-مفتي فلسطين ورئيس الهيئة العربية العليا- في كتابه «حقائق عن قضية فلسطين»، (ص59): «بأن المخابرات البريطانية وبالتعاون مع اليهود أنشؤوا عدة مراكز دعاية ضد الفلسطينيين، ومن جملة ما أنشؤوه من مراكز الاستخبارات والدعاية في الأقطار العربية، وكان يرأس بعضها بريطانيون، وجندوا معهم عملاء وجواسيس؛ كان من مهامهم بث الدعاية المعروفة بدعاية الهمس، بالإضافة إلى نواحي الدعاية الأخرى».

ويضيف الحسيني: «ولقيت تلك الأكاذيب نجاحاً ورواجاً كبيراً في أول سنين كارثة فلسطين، وأصبحت أقلاماً عابثة وكائدة وعميلة تبث الإشاعات عبر صحف عربية، فتحت لهم ليكتبوا وينشروا الأباطيل؛ شوهوا من خلالها صورة الفلسطيني».

      فقالوا: «إن الفلسطينيين يبيعون ضباط الجيوش العربية وجنودها لليهود»، «وإن الفلسطينيين لم يدافعوا عن أرضهم، بل باعوها وسلموها تسليماً لليهود»!! «ولولا معارضة الفلسطينيين للحلول التي عرضتها بريطانيا لحل القضية؛ لما وصلت الحالة إلى ما وصلت إليه»!! حتى كتب بعضهم: «لماذا تطالبوننا بتحرير أرض قبض ثمنها؟!» ماذا نعمل لكم كلما نحررها تبيعونها...!!».

       ويقول الشيخ الحسيني: «مع ذلك لم تكن تسمح تلك الصحف أن تنشر في حينها ما يدفع التهم، ويرد تلك الأباطيل».

    ولعلنا نتساءل لماذا تتكرر على مسامعنا هذه الأكاذيب والشبهات بين فترة وأخرى؟! وما هدف من يتبناها من وسائل إعلامية وفضائية ؟!  وما السبب في  هذا نشر هذا التشكيك في مكان ومكانة المسجد الأقصى؟! ولماذا المحاولات حثيثة من هؤلاء – وهم ليسوا يهود - لإدخالها في بعض النفوس ؟!

     على الرغم أن ما يقوله هؤلاء من العرب - أسموهم أدباء ومفكرين!!-  لم يضف جديدًا على الدِّراسات اليهودية والإستشراقية التي تعمل على تقليل أهمية المصادر الإسلامية المتعلقة ببيت المقدس بعد أن فتحها أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه ، أو للتقليل من أهميتها ومكانتها في الإسلام والتشكيك في النصوص التي جاءت في الكتاب والسنة وكتب السير والفقه؛ وذلك بهدف إلغاء الحقائق والتشكيك في الثوابت لكتابة تاريخ جديد لبيت المقدس من وجهة نظر أحادية متعصبة.

    ولا شك أننا نعرف دوافع مراكز الدراسات والباحثون اليهود في نشر تلك الشبهات والأكاذيب لإكساب احتلالهم لبيت المقدس شرعية دينية وتاريخية وواقعية وأثرية وقانونية ،بل وإنسانية في بعض الأحيان!!

    والعجيب أن الكتاب العرب ومُنَظريهم يرددون ما قاله المستشرقون اليهود، ولم يأتوا بجديد ولكن نقلوا ما أخذته وتوصل إليه من أكاذيب وشبهات تلك المراكز البحثية في الجامعات العبرية والتي تعمل بمشروع وظيفي هدفه تقليل مكانة المسجد الأقصى وإعطاء اليهود حق في القدس ومكان المسجد الأقصى، واعتبار أن المكان مقدس عند اليهود، وأن قداسته عند المسلمين موضع شك وليس عليها إجماع.

       فأتى من يستهويهم النقل عن ما كتبه اليهود، ولكنهم يرفضون النقل عن علماء المسلمين الذين أجمعوا على مكان ومكانة المسجد الأقصى في القدس ، ليقولوا بأن بعض المفسرين قال أن المسجد الأقصى هو مسجد قريب من مكة أو بين مكة والمدينة وبعضهم قال في الجعرانة وبعضهم قال أنه في الطائف وبعضهم أراح نفسه وقال هو ليس في الأرض بل هو في السماء!! وأن كل ما في فلسطين من مقدسات هي حق خالص لليهود وليس للعرب والمسلمين وأهل فلسطين شأن فيها، وأن النزاع حول القدس والمسجد الأقصى هو نزاع سياسي وليس نزاع ديني!! على الرغم أن قادة الاحتلال عملوا وما زالوا لتثبيت أن الدولة يهودية!!

         ومن أعظم ما يسعى به الشيطان وأعوانه من شياطين الإنس هو التحريش بين المسلمين كما قال عليه الصلاة والسلام (إِنَّ الشَّيَاطِينَ قَدْ يَئِسَتْ أَنْ تُعْبَدَ في جَزِيرَةِ الْعَرَبِ ، وَلَكِنِ التَّحْرِيشُ بَيْنَهُمْ) والتحريش هو اثارة العداوة وإلقاء البغضاء وتأليب النفوس بعضها ببعض ليحدث الشقاق والشجار.

     فيا أمتنا....لا بُدَّ من نبذ الخلاف وحفظ اللسان ، توحيد الرّأي، والوقوفُ صفًّا واحدًا في مواجهَة أعداء الأمة، والثبات على نهجِ الوِّحدة القائم على الشريعة الإسلامية؛ الوحدة التي لا يذّل فيها مظلوم، ولا يشقى معها مَحروم، ولا يعبَث في أرضِها باغ، ولا يتلاعب بحقوقِها ظالم؛ فالأزمات والأحداثُ تحتاج أوّل ما تحتاج إلى رصّ الصّفّ وصِدق الموقِف والتّلاحم حتّى يفوتَ على الأعداء والعُملاء فرصتُهم في البلبَلة وبثّ الفُرقة وذهاب ريح الأمّة؛ قال تعالى: (وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) ، وقال سبحانه: (وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ).

لهذا نقول :

1.ما يُقال ويكتب الآن هو امتداد للمقولات والشبهات والأكاذيب التي ترادفت مع مشروع إقامة وطن قومي لليهود؛ حيث أسهمت في تشويه صورة الفلسطينيين أمام امتدادهم العربي والإسلامي حتى لا يتعاطفوا معهم، أو يساندوهم في استرداد أرضهم المسلوبة، وليُفقِدوا الشعوب العربية والإسلامية الحماس لنصرة فلسطين وأهلها.

2.من المستفيد في النهاية من تلك الشبهات والأكاذيب التي ينطقها ويكررها من أسموهم الأدباء والمفكرين والفلاسفة من العرب!! ليصل الفحش إلى  أن يكتب أحدهم: "لا أعلم دليلاً من كتاب الله أو سنة نبيه صلى الله عليه وسلم يؤكد ضرورة امتلاك العرب القدس؟!!

3.ولماذا تلك الكتابات والأقوال موضع اهتمام من الإعلام الصهيوني ، تسلط عليه الأضواء ، ويُمدح أصحابه وتفتح لهم القنوات والفضائيات، وتعقد الندوات لإبراز آرائهم ؟

4.حقاً إننا نرى إعلاما فاسدًا...أبواقًا يُسمح لها أن تشيع الكذب والتدليس، أُناس جندوا أفواههم لخدمات يعجز عنها المتحدث الرسمي لجيش العدوان الصهيوني، بل وكتّاب الصحف العبرية!... أعطوا لليهود حقوقًا في قصف أرضنا وتدنيس مقدساتنا وقتل أطفالنا وعجائزنا.

5.لا بُدَّ أن توقف الحكومات هذا الهراء الفاحش في الألفاظ والأقوال والافتراء والتخوين ، فأين الجهات المسؤولة لوقف هؤلاء الذين يعملون على اشعال الخلاف بين الشعوب الإسلامية. فعلى كل صاحب سلطة أو من ولاه أمر المسلمين أن يأخذوا على يد السفهاء وأن لا يسمحوا لهم بإثارة الشحناء بين الشعوب الإسلامية، فيكفي المسلمين ما هم فيه من الضعف، سائلين الله عز وجل ان يجمع كلمتهم على الحق وأن يردهم إلى دينهم ردًا جميلاً .     

لا ريب بأن المستقبل والنصر والتمكين لهذه الأمة بإذن الله تعالى ؛ قال تعالى : (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ).

العدد (26) من مجلة بيت المقدس-شتاء 2020


شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق


التعليقات 0