6/30/2019


صفقة القرن ... وأوهام الوعود || د.عيسى القدومي


 



صفقة القرن ... وأوهام الوعود


د. عيسى القدومي

     نعيش هذه الأيام مرحلة فاصلة في قضية فلسطين، تسارعت فيها الأحداث، وطرحت فيها السناريوهات، وفرضت فيها الحلول، من أجل وضع اللمسات الاخيرة على صفقة القرن التي تهدف الى تصفية القضية الفلسطينية.  

     أرسل المبعوثون إلى الدول العربية لفرض الحل، وعُقدت ورش العمل، وأُطلقت التهديدات والضغوطات لقبول السلطة الفلسطينية لبنود الصفقة الجائرة؛ تحت مسمى احلال السلام في الشرق الأوسط ، لتأبيد الاحتلال على أرض فلسطين، وتوسيع وتعميق الاستيطان وعمليات التهويد المتواصلة .

      فهو مشروعٌ يهدف إلى تفكيك قضية فلسطين إلى جزئيات صغيرة، لا علاقة لها بالحق والقانون، لتصبح ملفاً هامشياً ضمن ملفات الإحسان والعطف، والانتعاش الاقتصادي!

     ولنا وقفات مع ما أسموه صفقة القرن وورشها نلخصها بالآتي:

1.  الخداع أسلوب ساد باستمرار في التاريخ السياسي المعاصر لفلسطين وقضيّتها، ومارسَه الطّرف المحتلّ وكلّ القوى العالميّة التي وفّرت له الغطاء على حدٍّ سواء، ولم يكن هناك خداع بإتقان كما هو الحال في قضية فلسطين...ولن تكون خديعة مستمرة كما هي الخديعة التي سَلبت أرض فلسطين، ووطنت بحبائلها شتات اليهود على ترابها المبارك .

2.  صفقة القرن وورشها ما هي إلا ملهاة جديدة هدفها الاستمرار في خداع العرب والمسلمين وأهل فلسطين، وإطالة أمد الاحتلال الصهيوني لفلسطين؛ وعلى العرب أن يتخلّصوا من أوهامهم بان الإدارة الأمريكية الحاليّة ستساعدهم في إيجاد حلّ عادل للقضية الفلسطينية. فصفقة القرن  ومشاريع السلام والحديث عن السلام، ستظل جميعها جزءا من مسرحيّة أمريكيّة صهيونيّة هدفها استمرار الاحتلال، وكسب الوقت، واستغلال العرب وخداعهم .

 

3.         نقول لمن صدق بوعود كوشنر ، أين وعود مؤتمر أوسلو ؟ أين الرفاه المادي الذي بُشر به أهل فلسطين ؟ أين الدولة الفلسطينية ؟! أين مطار غزة ؟ أين الطرق السريعة بين فلسطين وعواصم الدول العربية؟! أين جنة أريحا ؟ أين ميناء غزة ؟ أين حق العودة ؟ أين القدس والمسجد الأقصى ؟!

4.  بل أين مابشر به (شمعون بيريس) قبل ستة عشر عاما،حينما كان وزيراً لخارجية الكيان المحتل لأرض فلسطين بكتابه: «الشرق الأوسط الجديد» للوصول للأمن والاستقرار، يتطلب منا جميعا نظاما أمنيا وترتيبات إقليمية مشتركة واسعة النطاق، وتحالفات سياسية لدول المنطقة كلها»؛ وأن نتحرك للأمام لبناء إطار يحمل السعادة والرخاء لكافة شعوب المنطقة»!!في ظل علاقة تعاقدية، ليكون شرق أوسط جديد تقوده تل أبيب، مدجج بالتنمية والرفاه!!

5.  نحن على يقين أن الطريق طويلة، لا سيما بعد تراكم النّكبات، وقلّة المخلصين، وتكالُب أمم الأرض على استرضاء اليهود هذا التكالُب المشبوه، غير أنّ الحقّ لا يُحجب، والحقائق لا تموت، ومعركة الدفاع عن القدس وأرض فلسطين معركة لا تنتهي مادام هنالك باطل يريد أن يدحض الحق والحقائق.

 

6.  والمسلمون لا يمكنهم أن يخضعوا لأي قرار فيه مساس بحقوقهم الدينية، ولو أجمع على ذلك العالم أجمع،  والمطلوب الآن هو الصمود والثبات على الحقوق، وعدم التنازل عن أي جزء من فلسطين مهما كانت الضغوط والأثمان، والسعي لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني على أساس أجندة جديدة ترمي لعودة أهل فلسطين إلى ربهم وأمتهم، وتُفعّل برنامج إعادة مكانة الأمة.

7.  فلسطين ليست للبيع، ولن يقبل أهلها بيعها، والأكاذيب التي كان يشيعها اليهود سابقاً بأن أرض فلسطين أُخذت بيعاً من أهلها وشراءً من اليهود، تدحضها الحقائق، فبيوت العرب في القدس دفعت فيها أثماناً بالملايين وما زال أهلها متمسكون بها وبحقوقهم في تواجدهم على أرضهم وبالقرب من المسجد الأقصى المبارك ، فلا يظن كوشنر ومن أرسله للعرب أن مشكلتنا بحفنة من الأموال من أجل أن نسقط حقنا بأرضنا ومقدساتنا .

8.  و"ما ضاع حق وراءه مطالب"، فالصراع مع الاحتلال لن ينتهي مادام هناك احتلال لأرض فلسطين . وعلينا الاستفادة من الطاقات الهائلة في الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج، وفي الأمة، وفي كل القوى العالمية الداعمة لحقنا في أرضنا ومقدساتنا.

9.  والمسجد الأقصى، وغيره من أراضي فلسطين، أرض وقفية إسلامية دافع عنها المسلمون وضَحَّوا من أجل الحفاظ عليها بالدماء والأموال والمهج؛  تاريخها تاريخ أنبياء الله، فيها أقاموا شرع الله تعالى، فالإسلام مستقبلها، وبه حياتها، ولن يتم ازدهارها ولن يصحّ اعوجاجها، ولن يعلو لها شأن إلا  بهذا الدين، وعلى يدي أهله المخلصين؛ ولن نتنازل عن أي  شبر منها، فهي حقٌ ومِلْكٌ لكلّ المسلمين، وهي لا محالة راجعة إلى مجدها وتالد عزّها، أمّا اليهود فأحلامهم إلى زوال، وخيالاتهم إلى بوار.

10.                    إننا ندرك نحن المسلمون لسنا في العالم وحدنا، بل إنّ العالم تحكُمه قُوى لا تعبأ بحقوق غيرها، ولا بمصالح سواها، وهذه القُوى وإن كانت تنصب لنا العداء، لكنها ليست على قلب رجل واحد، والظروف الدولية ليست ثابتة، بل دائمة التغير، والعالم لا يسمع من ساكت؛ فقد ولّى زمن الملامات، وحان وقت العمل الجادّ لنفخ الروح في قضية المسلمين، بعلم وحلم وحكمة وحنكة .

11.                    والأهمّ من كلّ ذلك، وهو تاج الواجبات وغرّة المهمّات، فهو حسن اللجوء إلى الله،فإنّه ينصر من ينصر دينه، ولا يجعل على المؤمنين سبيلاً لأحد، فهو القائل –تبارك اسمُه-: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ * وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [النور: 54-57].

     واللهَ نسأل، أن يقرّ أعيننا برجوع الحقوق، واستعادة المقدّسات، وبرؤيتنا أولى قبلتَيْنَا مطهّرة من دنس الغاصبين، وأن ينعّم –سبحانه- قلوبنا بالسجود في عافية في قلب المسجد الأقصى المبارك.

 

والحمد لله ربّ العالمين.

 

 

 

   

 


شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق


التعليقات 0