4/3/2018


مسيرة العودة كنموذج للمقاومة الشعبية




مسيرة العودة كنموذج للمقاومة الشعبية


بقلم/ أحمد فايق دلول

بالنظر إلى موازين القوى العسكرية بين الفلسطينيين والإسرائيليين ندرك أنَّ القوة تميل لصالح الإسرائيليين، على اعتبار ما يمتلكونه من عُدَّة وعتاد وتكنولوجيا عسكرية متقدمة، وهذا يعني بالضرورة أن استخدام القوة من جانب الفلسطينيين تجاه الإسرائيليين لن يكون بنفس الدرجة من الفاعلية كما لو استخدم الإسرائيليون القوة العسكرية تجاه الفلسطينيين.

لم يكن خافياً أنَّ الفلسطينيين لم يحسنوا التقدير عندما اعتبر فريق منهم أن التحرير يأتي عبر فوهة البندقية والعمل المسلح، في حين اعتبر آخرون أنَّ التحرير لا يأتي إلا بالاشتباك الدبلوماسي والمقاومة السلمية، وهذا ما يفسر فشل مشروعَي المقاومة المسلحة والمقاومة السلمية.

كان من الضروري على القيادة الفلسطينية أن تتبنى رؤيةً واضحةً لمشروع وطني فلسطيني يرتكز على المقاومة بكل أبعادها بما في ذلك العسكرية والسلمية (الشعبية)، وهذا يعني أنَّ الجمع الفلسطيني يساهم في عملية التحرير بمختلف وسائلهم وأدواتهم، وكل جهودهم تصبُّ في مصلحة مشروع وطني فلسطيني واحد.

لقد برع الشعب الفلسطيني في استخدام المقاومة الشعبية منذ عشرينات القرن العشرين وحتى انتفاضة القدس الأخيرة، وكانت المقاومة الشعبية أقل تكلفة من المقاومة المسلحة بالنسبة للفلسطينيين من ناحية، وأكثر تكلفة للإسرائيليين من ناحية أخرى، وهذا ما يفسر بحث الإسرائيليين عن صيغةٍ لاتفاقٍ ينهي الانتفاضة الفلسطينية الأولى 1987م؛ التي انتهت فعلياً بتوقيع اتفاق أوسلو عام 1993م.

انطلاق مسيرة العودة

قام الفلسطينيون بتنظيم "مسيرة العودة" كأكبر مسيرة شعبية سلمية في تاريخ الفلسطينيين، قام عليها مجموعة من الأشخاص المثقفين الذين يتوقون للعودة إلى ديارهم التي هُجِّروا منها عام 1948م، وانطلقت المسيرة يوم 30 آذار/مارس، أي في الذكرى ال 42 ليوم الأرض، وضمَّت المسيرة في جنباتها كل أطياف الشعب الفلسطيني، ومن المقرر أن تستمر لعدة أيامٍ على أجزاء متفرقة من الشريط الحدودي الذي يبلغ طوله 46 كيلومتر بين قطاع غزة والأراضي الفلسطينية المحتلة، بجانب مناطق أخرى من الدول العربية.

وكان واضحاً أنَّ تحضيرات المسيرة التي تمَّ تنفيذها تمهيداً للمسيرة ضمَّت أنشطة متعددة وكبيرة جداً، مثل: تجريف الشريط الحدودي بين قطاع غزة والأراضي المحتلة، بجانب نصب مجموعة كبيرة من الخيام الجلدية والخشبية، وتوفير ملاعب كرة قدم، وتوفير خطوط انترنت، ووجبات طعام ومياه صالحة للشرب، وحتى شعارات العودة واليافطات والمنشورات الورقية.

انطلقت المسيرة بعد تحضيرات وجهود كبيرة استمرت لأكثر من 50 يوماً، وعبَّرت عن حالة السلمية بمفهومها الدقيق، حيث شارك فيها الشيوخ والشباب والصغار والنساء والرجال، وتمَّ عقد قران وزفة بعض الشباب هناك، وجرت ممارسة الحياة بشكلٍ طبيعي كما لو أنهم في بيوتهم أو حواريهم، فقامت النساء بالطبخ والعجن والخبز، وقام الأطفال بممارسة الألعاب، كما قام الكبار بلعب كرة القدم والشطرنج، وقام القاص والحكواتي بدوره في المسيرة.

ومن الشواهد المتميزة في مسيرة العودة؛ مجموعة من المتظاهرون الشباب تتشابك أيديهم ويركضون وأمامهم فتاة، يشكلون درع حماية لها خوفاً من إصابتها بالرصاص الإسرائيلي أثناء الاشتباكات شرق مدينة خان يونس.

لكن الأجمل من ذلك هو أن يفصح قادة العدو بأن المسيرات تؤلمهم، حيث كانوا يتابعون التطورات من مسافة لا تتجاوز 1 كيلومتر، وهذا يعني أنَّ 70 عاماً من العمل الدوؤب من خلال المؤسسات الدولية التي كانت تقدم الدعم للاجئين؛ لم تجعل الإسرائيليين في مأمن، ولم تنسي اللاجئين حقوقهم، وأنَّ الكبار ورَّثوا القضية قبل أن يموتوا، وهذا يعني أيضاً أن الإنسان الفلسطيني ما زال على وعيه.

خرج نحو 150 ألف إنسان فلسطيني، وعلَّق الإسرائيليون بصدمة عن هذه الحالة، واعتبروا أن الفلسطيني لم يخرج ضد الوضع المأساوي الذي يعيشه، لكنه خرج للتأكيد على حق العودة، وهذا يعني أن الشعب الفلسطيني يتمتع بالوطنية أولاً، ومن السهل استنهاضه للحفاظ على قضيته.

كانت المسيرات السلمية موضع إجماع الكل الفلسطيني، ولعلها من أهم الأحداث التي يكاد لا يختلف عليها اثنان، وهي تلك المسيرة التي جمعت في وقتٍ واحدٍ كل المتناقضات في قطاع غزة.

* * *

الموقف الصهيوني

لقد أبدى الاحتلال الإسرائيلي مخاوف كبيرة من المسيرة، وبحث في تكتيكات عديدة لحرف بوصلة المسيرة، حيث اقترح وزير الأشغال الإسرائيلي أن تتم عملية إنزال للطعام والشراب على المتظاهرين، وهذا الأمر أوصل رسالة للمجتمع الدولي بأنَّ الغزيين مجموعة من الجَوعى، وهو ما جعل الجمع الفلسطيني يرفض الفكرة ويتوعد بالتصدي لها.

وروَّج الإسرائيليون إلى أنَّ حماس كانت تريد الزج بالفلسطينيين في مواجهة الرصاص الإسرائيلي، هذا في حين أنَّ المسيرة كانت تبعد عن السلك الفاصل بين غزة والأراضي المحتلة 500 – 700 متر، وهذا بالطبع لم يمنع الشباب من الوصول إلى السلك وتقطيعه والدخول إلى الأراضي المحتلة، تعبيراً عن رفض الاحتلال وتأكيداً على ضرورة العودة.

لقد اتصل الجيش الإسرائيلي على شركات النقل في قطاع غزة وحاول ثنيها عن توصيل المشاركين من أماكن سكناهم إلى أماكن تمركز المسيرة، وهذا بالطبع أشار إلى حالة الهوس التي كانت تعاني منها القيادة الإسرائيلية، لكن تلك الشركات عبَّرت عن حسّها الوطني ورفضت الاستجابة لإملاءات الجيش الإسرائيلي وشاركت في توصيل المتظاهرين من نقاط الانطلاق إلى نقاط الالتقاء.

قبل المسيرة بأيام قامت قوات الاحتلال الإسرائيلي بقصف مواقع مختلفة من المناطق الشرقية لقطاع غزة، لكن منظمي المسيرة اعتبروا أنَّ القصف لن يرهبهم وأنَّهم ماضون في تنفيذ مسيرتهم مهما كلَّف الأمر، وهذا الأمر أجبر رئيس أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي "غادي آيزنكوت" على التصريح بأنَّ احتمال انفجار ما أسماه "الحلبة الفلسطينية" مرتفع جداً، لكن هذا ما لم يحدث، لأنَّ الحشود بكل مكوناتها خرجت في مسيرة سلمية على مرأى ومسمع العالم.

من المؤكد أن مخاوف القيادة الإسرائيلية من المسيرة الشعبية أكبر بكثيرٍ من مخاوفها من العمل المسلحة، حيث تجد في الأخير كل المبررات للتصدي له، في حين تجد حرجاً كبيراً من المجتمع الدولي في حال نقل الإعلام العالمي أن الجيش الإسرائيلي يتصدَّى لمسيرة سلمية بالرصاص الحي. وبالفعل؛ ساءت وجوه الاحتلال الإسرائيلي وأُصيب بحرجٍ كبيرٍ، لدرجة أنَّ جيش الاحتلال الإسرائيلي قام بحذف تغريدة على حسابه في تويتر، نشرها يوم السبت، تحمّله المسؤولية عن استشهاد 15 فلسطينيا في مسيرة العودة الكبرى، وجاء فيها: "أمس رأينا 30 ألف شخص، وصلنا إليهم بكامل الاستعداد والتعزيزات، كل شيء كان تحت السيطرة، دقيقا ومقاسا، ونعلم أين سقطت كل رصاصة".

جاء رد الفعل الإسرائيلي أشبه بطعنة في خاصرة الإنسانية، لدرجة أنَّ المذيع في الإذاعة الإسرائيلية "كوبي ميدان" قال: اليوم أنا خجول لأني إسرائيلي.. وبهذا الكلمات المعبرات صدر قرار بفصله من الإذاعة. وهنا كانت دولة الاحتلال الإسرائيلي أقرب لتعبير الخبير في الشئون الصهيونية "عدنان أبو عامر"؛ واحة الديمقراطيات المزعومة في المنطقة تترنح على أعتاب غزة.

واعتبر المعلق الصهيوني "تسفي بارئيل" أنَّ مسيرة العودة حسنت هامش المناورة المتاح أمام حركة حماس ليس فقط في مواجهة القوى الإقليمية العربية والإسرائيل، بل أنها تؤسس إلى إحداث تحول على الخارطة السياسية الفلسطينية بشكل مختلف.

* * *

الموقف الفتحاوي

الغريب في الأمر أنَّ بعض الفصائل لم تتعاطَى القيادة الفلسطينية بشكل إيجابي مع مسيرة العودة في البداية، وكانت لوقتٍ قريب من انطلاق المسيرة تقف ضدها، وكان الرئيس محمود عباس يحاول فرض التهدئة، ولم ينفك البعض عن التقليل من أهمية تلك المسيرة، واعتبار أنها تأتي لفك أزمة حماس، ولم يتورع بعضهم من وصف المشاركون بالمسيرة على أنهم جوعى وجهلة وعاطفيين وسُذَّج، وهذا بالطبع يتساوق مع طرح الاحتلال الإسرائيلي من ناحية، ويجعلنا نتساءل: هل حقاً تقتنع حركة بعض الفصائل بالمقاومة السلمية/الشعبية كأداة تحرير؟ أم أنها تريد إبعاد شبح المقاومة المسلحة من خلال التشدُّق بالمقاومة السلمية؟

حركة فتح والتي أبدعت في ممارسة المقاومة السلمية/الشعبية، وتستخدمها كاستراتيجية للتحرير بدلاً من المقاومة المسلحة، عندما ذهبت حماس للاعتماد على المقاومة السلمية لم تكن ترغب في ذلك، لأنها اعتبرت أن حماس أصبحت تنافسها في واحد من أهم ميادين عملها.

أعلن الرئيس محمود عباس أن ثاني أيام المسيرة -أي يوم السبت- يوم حداد على أرواح الشهداء، والمفارقة أن الشهداء الذين ارتقوا محاصرون بإجراءات الرئيس العقابية، وكان الأمل من الرئيس أن يعلن إلغاء كافة العقوبات التي فرضها على غزة بلا وجه حق.

حققت المسيرة نجاحات سياسية من خلال دعوة مجلس الأمن للانعقاد من ناحية، ودعوة جامعة الدول العربية للانعقاد من ناحية أخرى.

* * *

ولم يكن خافياً أن القيادة الظاهرية للمسيرة لم تكن موفقة من بالدعوة للمسيرة من خلال المساجد التي تديرها حركتي فتح وحماس، ذلك كسباً لمشاركة كل الفلسطينيين الغزيين بمختلف توجهاتهم الفكرية والدينية. وكان الأجدر بهم أن يطلقوا إذاعة أو مرئية أو فضائية خاصة بالمسيرة وتتم من خلالها عمليات التعبئة والحشد لهذه المسيرة.

وهناك مجموعة من الملاحظات على مسيرة العودة، بلا شك هي حققت أهداف كبيرة وأظهرت الشعب الفلسطيني بأنه يحب الحياة لا كما يصوره الإسرائيليون بأنه يحب الموت، ولعل أهم ملاحظة هي أن بعض المتظاهرين تجاوزوا المكان المحدد فتعرض نحو 1700 منهم للإصابات و17 منهم ارتقوا شهداء، والمشكلة أن الجرحى والشهداء هم من خيرة شباب قطاع غزة.

المسيرة بالأمس كشفت للإسرائيليين عن وجوه بعض عناصر المقاومة، وقامت اسرائيل باستهدافهم بدقة عالية، لدرجة أن الناطق باسم الجيش الاسرائيلي أفخاي أدرعي قال: استهدفنا اثنين من عناصر نخبة القسام في قطاع غزة.

كان يجب على المسيرة أن تنجح بشكل أكبر وأن يكون عدد الجرحى أقل مما كان، وفي كل الأحوال؛ يجب على الفلسطينيين أن يسجلوا دروساً وعبر من هذه التجربة.

* * *

وأخيراً؛ شكَّلت مسيرة الجمعة أول فصل من فصول المقاومة الشعبية/السلمية في قطاع غزة، وأصبح الشعب الفلسطيني في انتظار الفصول المتبقية، وهي فصول لن تكون كالسابق إطلاقاً، وتبدو من تصريحات الأطراف القائمة عليها أنَّها ستختلف ميدانياً وإعلامياً.

من المفيد الإشارة إلى ضرورة دراسة هذه المسيرة وأخذ التغذية الراجعة بعين الاعتبار، وذلك للتعرف على أهم النجاحات والإخفاقات التي حصلت فيها، شريطة أن يتم الاستفادة من تلك الدروس في عملية التخطيط لاستكمال المسيرة في نفس التوقيت مع العام التالي.

ولعلنا لا نجد توصيفاً لمسيرة العودة أجمل مما قاله الخبير العسكري المصري "يوسف الشرقاوي" الذي اعتبر أنَّ مسيرة العودة الكبرى هي اندفاع سلمي واستراتيجي لنيل الحقوق الفلسطينية، في مواجهة الاحتلال "الإسرائيلي" الهش.

 


شارك برأيك

الاسم
الدولة
التعليق


التعليقات 0